[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 9 إلى 10 ]
يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 )
شرح
شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِومن حول مكانها وقرئ تباركت الأرض ومن حولها والظاهر عمومه لكل من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشأم الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكفاتهم أحياء وأمواتا ولا سيما تلك البقعة التي كلم اللّه تعالى فيها موسى وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم ديني تنتشر بركاته في أقطار الشأم وهو تكليمه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام واستنباؤه له وإظهار المعجزات على * يده عليه الصلاة والسلام( وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )تعجيب لموسى عليه الصلاة والسلام من ذلك وإيذان بأن ذلك مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون ومن أحكام 9 تربيته تعالى للعالمين( يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ )استئناف مسوق لبيان آثار البركة المذكورة والضمير إما للشأن وأنا اللّه جملة مفسرة له وإما راجع إلى المتكلم وأنا خبره واللّه بيان له وقوله تعالى( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )صفتان للّه تعالى ممهدتان لما أريد إظهاره على يده من المعجزات أي أنا القوى القادر على ما لا تناله الأوهام من 10 الأمور العظام التي من جملتها أمر العصا واليد الفاعل كل ما أفعله بحكمة بالغة وتدبير رصين( وَأَلْقِ )عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق( عَصاكَ )حسبما نطق به قوله تعالى وأن ألق عصاك بتكرير حرف التفسير كما تقول كتبت إليه أن حج وأن اعتمر وإن شئت أن حج واعتمر والفاء في قوله تعالى( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ )فصيحة تفصيح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كما في قوله تعالىفَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُبعد قوله تعالىاخْرُجْ عَلَيْهِنَّكأنه قيل فألقاها فانقلبت حية تسعى فأبصرها فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب قوله تعالى( كَأَنَّها جَانٌّ )أي حية خفيفة سريعة الحركة جملة حالية إما من مفعول رأى مثل تهتز كما أشير إليه أو من ضمير تهتز على طريقة التداخل وقرئ جأن على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين( وَلَّى مُدْبِراً )من الخوف( وَلَمْ يُعَقِّبْ )أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله تعالى( يا مُوسى لا تَخَفْ )أي من غيرى ثقة بي أو مطلقا لقوله تعالى( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ )فإنه يدل على نفى الخوف عنهم مطلقا لكن لا في جميع الأوقات بل حين يوحى إليهم كوقت الخطاب فإنهم حينئذ مستغرقون في مطالعة شؤون اللّه عزّ وجل لا يخطر ببالهم خوف من أحد أصلا وأما في سائر الأحيان فهم أخوف الناس منه سبحانه أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه .