تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 225 إلى 227 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 )
شرح
225 طريق الحق الثابتين عليه وقوله تعالى( أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ )استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص برؤية راء دون راء أي ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال وفي كل شعب من شعاب الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغى والضلال يهيمون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين من السبل بل يتحيرون في فيافى الغواية والسفاهة ويتيهون في تيه المجون والوقاحة دينهم تمزيق الأعراض المحمية والقدح في الأنساب الطاهرة السنية والتسيب بالحرام والغزل والابتهار والتردد بين 226 طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ )من الأفاعيل غير مبالين بما يستتبعه من اللوائم فكيف يتوهم أن يتبعهم في مسلكهم ذلك ويلتحق بهم وينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن يحوم حولها شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة واتصف بمحاسن الصفات الجليلة وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة وحاز جميع الكمالات القدسية وفاز بجملة الملكات الأنسية مستقرا على المنهاج القويم مستمرا على الصراط المستقيم ناطقا بكل أمر رشيد داعيا إلى صراط العزيز الحميد مؤيدا بمعجزات قاهرة وآيات ظاهرة مشحونة بفنون الحكم الباهرة وصنوف المعارف الزاهرة مستقلة بنظم رائق أعجز كل منطيق ماهر وبكت كل مفلق ساحر هذا وقد قيل في تنزيهه صلّى اللّه عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء أن أتباع الشعراء الغاوون وأتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلم ليسوا كذلك ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلّى اللّه عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلّى اللّه عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العالي وقيل الغاوون الراوون وقيل الشياطين وقيل هم شعراء قريش عبد اللّه بن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف وأبو عزة الجمحي ومن ثقيف أمية بن أبي الصلت قالوا نحن نقول مثل قول محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقرئ والشعراء بالنصب على إضمار 227 فعل يفسره الظاهر وقرئ يتبعهم على التخفيف ويتبعهم بسكون العين تشبيها لبعه بعضد( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا )استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر اللّه عزّ وجل ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على اللّه تعالى والحث على طاعته والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترغيب عن الركون إليها والزجر عن الاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع ذلك منهم بطريق الانتصار ممن هجاهم وقيل المراد بالمستثنين عبد اللّه بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير بن أبي