[ سورة النور ( 24 ) : آية 11 ]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 )
شرح
شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر لها ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبئ عنه 11 التعرض لعنوان توابيته سبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ )أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه مأفوك عن وجهه وسننه والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضى اللّه عنها وفي لفظ المجىء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها قالت عائشة رضى اللّه عنها فأقرع بيننا في غزوة غزاها قيل غزوة بنى المصطلق فخرج سهمى فخرجت معه صلّى اللّه عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أنى فيه لخفتى فلم يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي بعد ما استمررت الجيش فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب فتممت منزلي وظننت أنى سيفقدوننى ويعودون في طلبي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتى عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى من وراء الجيش فلما رآني عرفني فاستيقظت باسترجاعه فخمرت وجهي بجلبابي وو اللّه ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول وافتقدنى الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكرى فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فخاض الناس في حديثي فهلك من هلك وقوله تعالى( عُصْبَةٌ مِنْكُمْ )خبر إن أي جماعة وهي من العشرة إلى الأربعين وكذا العصابة وهم عبد اللّه بن أبي وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وقوله تعالى( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ )استئناف خوطب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وصفوان رضى اللّه عنهم تسلية لهم من أول الأمر والضمير للإفك( بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على اللّه عزّ وجل بإنزال ثماني عشرة آية في نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظن بكم خيرا( لِكُلِّ امْرِئٍ )