تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 15 إلى 18 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 )
شرح
لدلالة الخالقين عليه كما حذف المأذون فيه في قوله تعالىأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَلدلالة الصلة عليه أي أحسن الخالقين خلقا فالحسن للخلق قيل نظيره قوله صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه جميل يحب الجمال أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا فاستكن روى أن عبد اللّه بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الوحي فلما انتهى صلّى اللّه عليه وسلم إلى قوله خلقا آخر سارع عبد اللّه إلى النطق به قبل إملائه صلّى اللّه عليه وسلم فقال اكتبه هكذا نزلت فشك عبد اللّه فقال إن كان محمد يوحى إليه فأنا كذلك فلحق بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح وقيل مات على كفره وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال لما نزلت هذه الآية قال عمر رضى اللّه عنه فتبارك اللّه أحسن الخالقين فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هكذا نزل يا عمر وكان رضى اللّه عنه يفتخر بذلك ويقول وافقت ربى في أربع الصلاة خلف المقام وضرب الحجاب على النسوة وقولي لهن أو ليبدله اللّه خيرا منكن فنزل قوله تعالىعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُالآية والرابع فتبارك اللّه أحسن الخالقين انظر كيف وقعت هذه الواقعة سببا لسعادة عمر رضى اللّه عنه وشقاوة ابن أبي سرح حسبما قال تعالى يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا لا يقال فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن وذلك قادح في إعجازه لما أن الخارج عن قدرة البشر ما كان مقدار أقصر السور على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوط بما قبلها كما تعرب عنه الفاء فإنها اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ )أي بعد ما ذكر من الأمور 15 العجيبة حسبما ينبئ عنه ما في اسم الإشارة من معنى البعد المشعر بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والكمال وكونه بذلك ممتازا منزلا منزلة الأمور الحسية( لَمَيِّتُونَ )لصائرون إلى الموت لا محالة كما تؤذن به صيغة النعت الدالة على الثبوت دون الحدوث الذي تفيده صيغة الفاعل وقد قرئ لمائتون( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ )أي عند النفخة الثانية( تُبْعَثُونَ )من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب 16( وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ )بيان لخلق ما يحتاج إليه بقاؤهم إثر بيان خلقهم أي خلقنا في جهة العلو من غير اعتبار 17 فوقيتها لهم لأن تلك النسبة إنما تعرض لها بعد خلقهم( سَبْعَ طَرائِقَ )هي السماوات السبع سميت بها لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل فإن كل ما فوقه مثله فهو طريقة أو لأنها طرائق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها( وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ )عن ذلك المخلوق الذي هو السماوات أو عن جميع المخلوقات التي هي من جملتها أو عن الناس( غافِلِينَ )مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة ويصل إلى ما في الأرض منافعها كما ينبئ عنه قوله تعالى( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً )هو المطر أو الأنهار النازلة من 18