تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 38 إلى 39 ] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38 ) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 )
شرح
* المتصدق بها( وَلا دِماؤُها )المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء( وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ )ولكن يصيبه تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى الامتثال بأمره تعالى وتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له وقيل كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قرابينهم فهم به المسلمون فنزلت( كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ )تكرير للتذكر والتعليل بقوله تعالى( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ )أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه * بالكبرياء وقيل هو التكبير عند الإحلال أو الذبح( عَلى ما هَداكُمْ )أي أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها وما مصدرية أو موصولة أي على هدايته إياكم أو على ما هداكم إليه وعلى متعلقة بتكبروا 38 لتضمنه معنى الشكر( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ )أي المخلصين في كل ما يأتون وما يذرون في أمور دينهم( إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )كلام مستأنف مسوق لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن اللّه تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج ليتفرغوا إلى أداء مناسكه وتصديره بكلمة التحقيق لإبراز الاعتناء التام بمضمونه وصيغة المفاعلة إما للمبالغة أو للدلالة على تكرر الدفع فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين فيبقى تكرره كما في الممارسة أي يبالغ في دفع غائلة المشركين وضررهم الذي من جملته الصد عن سبيل اللّه مبالغة من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى حسبما تجدد منهم القصد إلى الإضرار بالمسلمين كما في قوله تعالىكُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُوقرئ يدفع والمفعول محذوف * وقوله تعالى( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ )تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان بأن دفعهم بطريق القهر والخزي ونفى المحبة كناية عن البغض أي إن اللّه يبغض كل خوان في أماناته تعالى وهي أوامره ونواهيه أو في جميع الأمانات التي هي معظمها كفور لنعمته وصيغة المبالغة فيهما لبيان أنهم كذلك لا لتقييد البغض بغاية الخيانة والكفر أو للمبالغة في نفى المحبة على اعتبار النفي أولا 39 وإيراد معنى المبالغة ثانيا( أُذِنَ )أي رخص وقرئ على البناء للفاعل أي أذن اللّه تعالى( لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ )أي يقاتلهم المشركون والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور عليه فإن مقاتلة المشركين إياهم دالة على مقاتلتهم إياهم دلالة نيرة وقرئ على صيغة المبنى للفاعل أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي ويحرصون عليه فدلالته * على المحذوف أظهر( بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )أي بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورضى عنهم كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه صلّى اللّه عليه وسلم بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول صلّى اللّه عليه وسلم لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجروا فأنزلت وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية *( وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفع وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين بل تغليبهم وإظهارهم عليهم والإخبار بقدرته تعالى على نصرهم وارد على سنن الكبرياء وتأكيده بكلمة التحقيق واللام لمزيد تحقيق مضمونه وزيادة توطين نفوس المؤمنين
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 108 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي