تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 13 ] وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 )
شرح
من الرجعة وأنى لهم ذلك ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه فإنهم حينئذ يشاهدون الكفر والمعاصي على صور منكرة هائلة ويخبرهم الملائكة بأن مصيرهم إلى النار لا محالة فالمعنى أبصرنا قبح أعمالنا وكنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا أن مردنا إلى النار وهو الأنسب لما بعده من الوعد بالعمل الصالح هذا وقد قيل المعنى وسمعنا منك تصديق رسلك وأنت خبير بأن تصديقه تعالى لهم حينئذ يكون بإظهار مدلول ما أخبروا به من الوعد والوعيد لا بالإخبار بأنهم صادقون حتى يسمعوه وقيل وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان ولا يقدر لترى مفعول إذ المعنى لو تكون منك رؤية في ذلك الوقت أو يقدر ما ينبئ عنه صلة إذ والمضي فيها وفي لو باعتبار أن الثابت في علم اللّه تعالى بمنزلة الواقع وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا لا يقادر قدره والخطاب لكل أحد ممن يصلح له كائنا من كان إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها هذا ومن علل عموم الخطاب بالقصد إلى بيان أن حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا تختص رؤية راء دون راء بل كل من يتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب فقد نأى عن تحقيق الحق لأن المقصود بيان كمال فظاعة حالهم كما يفصح عنه الجواب المحذوف لا بيان كمال ظهورها فإنه مسوق مساق المسلمات فتدبر( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها )مقدر بقول معطوف على ما قدر قبل قوله تعالىرَبَّنا أَبْصَرْناالخ أي ونقول لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا بأن نعطى كل نفس من النفوس البرة والفاجرة ما تهتدى به إلى الإيمان والعمل الصالح لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار الجزاء( وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي )أي * سبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قولهلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَوهو المعنى بقوله تعالى( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم بل منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث صرفتم اختياركم إلى الغى بإغوائه ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها فلما لم تختاروا الهدى واخترتم الضلالة لم نشأ إعطاءه لكم وإنما أعطيناه الذين اختاروه من النفوس البرة وهم المعنيون بما سيأتي من قوله تعالىإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَاالآية فيكون مناط عدم مشيئة إعطاء الهدى في الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول وإنما قيدنا المشيئة بما مر من التعليق الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها لأن المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم إجمالا متقدمة على تحقق كلمة العذاب فلا يكون عدمها منوطا بتحققها وإنما مناطه علمه تعالى أزلا بصرف
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 83 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي