تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
[ سورة الروم ( 30 ) : آية 8 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 )
شرح
دون الواحدة كما توهم أي يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا من الدنيا( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ )التي هي الغاية القصوى والمطلب الأسنى( هُمْ غافِلُونَ )لا يخطرونها بالبال ولا يدركون من الدنيا ما يؤدى إلى معرفتها * من أحوالها ولا يتفكرون فيها كما سيأتي والجملة معطوفة على يعلمون وإيرادها اسمية للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها وهم الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ وغافلون خبره والجملة خبر للأولى وهو على الوجهين مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالبهائم المقصور إدراكاتها من الدنيا على ظواهرها الخسيسة دون أحوالها التي هي مبادى العلم بأمور الآخرة وإشعارا بأن العلم المذكور وعدم العلم رأسا سيان( أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا )إنكار واستقباح لقصر 8 نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقوله تعالى( فِي أَنْفُسِهِمْ )ظرف للتفكر وذكره مع ظهور استحالة كونه في غيرها لتحقيق أمره وتصوير حال المتفكرين وقوله تعالى( ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما )الخ متعلق إما * بالعلم الذي يؤدى إليه التفكر ويدل عليه أو بالقول الذي يترتب عليه كما في قوله تعالىوَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًاأي أعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو أقصروا النظر عليه ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خلقهما وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسة بشيء من الأشياء( إِلَّا )ملتبسة( بِالْحَقِّ )أو يقولوا هذا القول معترفين بمضمونه إثر ما علموه * والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة لابتنائه على الحكمة البالغة والغرض الصحيح الذي هو استشهاد المكلفين بذواتها وصفاتها وأحوالها المتغيرة على وجود صانعها عزّ وجل ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته واختصاصه بالمعبودية وصحة أخباره التي من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب أعمالهم غب ما تبين المحسن من المسىء وامتازت درجات أفراد كل من الفريقين حسب امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على أنظارهم فيما نصب في المصنوعات من الآيات والدلائل والأمارات والمخايل كما نطق به قوله تعالىوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًافإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره صلّى اللّه عليه وسلم بقوله أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم اللّه وأسرع في طاعة اللّه وقد مر تحقيقه في أوائل سورة هود عليه السلام وقوله تعالى( وَأَجَلٍ مُسَمًّى )عطف على الحق أي وبأجل معين قدره اللّه تعالى لبقائها لا بد لها من أن تنتهى * إليه لا محالة وهو وقت قيام الساعة هذا وقد جوز أن يكون قوله تعالىفِي أَنْفُسِهِمْصلة للتفكر على معنىأَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْالتي هي أقرب المخلوقات إليهم وهم أعلم بشئونها وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها اللّه تعالى ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال