تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 35 إلى 37 ] الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ( 35 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 )
شرح
زوال النعم والظاهر أنه الجنس المنتظم لجميع أحزان الدين والدنيا وقرئ الحزن وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم وكأني بأهل لا إله إلا اللّه يخرجون من قبورهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن( إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ )35 أي للمذنبين( شَكُورٌ )للمطيعين( الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ )أي دار الإقامة التي لا انتقال عنها أبدا( مِنْ فَضْلِهِ )من إنعامه وتفضله من غير أن يوجبه شئ من قبلنا( لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ )تعب( وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ )كلال والفرق بينهما أن النصب نفس المشقة والكلفة واللغوب ما يحدث منه من الفتور والتصريح 36 بنفي الثاني مع استلزام نفى الأول له وتكرير الفعل المنفى للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ )لا يحكم عليهم بموت ثان( فَيَمُوتُوا )ويستريحوا ونصبه بإضمار أن وقرئ فيموتون عطفا على يقضى كقوله تعالىوَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها )بل كلما خبت زيد إسعارها( كَذلِكَ )أي مثل ذلك الجزاء الفظيع( نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ )مبالغ في الكفر أو الكفران لا جزاء أخف وأدنى منه وقرئ يجزى على البناء للمفعول وإسناده إلى الكل وقرئ يجازى 37( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها )يستغيثون والاصطراخ افتعال من الصراخ استعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته( رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ )بإضمار القول وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه وأنهم كانوا يحسبونه صالحا والآن تبين خلافه وقوله تعالى( أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ )جواب من جهته تعالى وتوبيخ لهم والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وما نكرة موصوفة أي ألم نمهلكم أو ألم نؤخركم ولم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر أي يتمكن فيه المتذكر من التذكر والتفكر قيل هو أربعون سنة وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما ستون سنة وروى ذلك عن علي رضى اللّه عنه وهو العمر الذي أعذر اللّه فيه إلى ابن آدم قال صلّى اللّه عليه وسلم أعذر اللّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة وقوله تعالى( وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ )عطف على الجملة الاستفهامية لأنها في معنى قد عمرناكم كما في قوله تعالىأَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْناالخ لأنه في معنى قد شرحنا الخ والمراد بالنذير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو ما معه من القرآن وقيل العقل وقيل الشيب وقيل موت الأقارب والاقتصار على ذكر النذير لأنه الذي