تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 )
شرح
* ويسقط بالياء لقوله تعالىأَفْتَرى عَلَى اللَّهِوكسفا بسكون السين( إِنَّ فِي ذلِكَ )أي فيما ذكر من السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظر من جميع الجوانب أو فيما تلى من الوحي الناطق بما ذكر( لَآيَةً )واضحة( لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ )شأنه الإنابة إلى ربه فإنه إذا تأمل فيهما أو في الوحي المذكور ينزجر عن تعاطى 10 القبائح وينيب إليه تعالى وفيه حث بليغ على التوبة والإنابة وقد أكد ذلك بقوله تعالى( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا )أي آتيناه لحسن إنابته وصحة توبته فضلا على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي نوعا من الفضل وهو ما ذكر بعد فإنه معجزة خاصة به صلّى اللّه عليه وسلم أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن فتنكيره للتفخيم ومنا لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية كما في قوله تعالىآتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ . . . .لَدُنَّا عِلْماًوتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه * التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة له فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن( يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ )من التأويب أي رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب وذلك إما بأن يخلق اللّه تعالى فيها صوتا مثل صوته كما خلق الكلام في الشجرة أو بأن يتمثل له ذلك وقرئ أوبى من الأوب أي ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه وكان كلما سبح عليه الصلاة والسلام يسمع من الجبال ما يسمع من المسبح معجزة له عليه الصلاة والسلام وقيل كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها * والطير بأصواتها وهو بدل من آتينا بإضمار قلنا أو من فضلا بإضمار قولنا( وَالطَّيْرَ )بالنصب عطفا على فضلا بمعنى وسخرنا له الطير لأن إيتاءها إياه عليه الصلاة والسلام تسخيرها له فلا حاجة إلى إضماره كما نقل عن الكسائي ولا إلى تقدير مضاف أي تسبيح الطير كما نقل عنه في رواية وقيل عطفا على محل الجبال وفيه من التكلف لفظا ومعنى ما لا يخفى وقرئ بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الإعرابية وقد جوز انتصابه على أنه مفعول معه والأول هو الوجه وفي تنزيل الجبال والطير منزلة العقلاء المطيعين لأمره تعالى المذعنين لحكمه المشعر بأنه ما من حيوان وجماد وصامت وناطق إلا وهو منقاد لمشيئته غير ممتنع على إرادته من الفخامة المعربة عن غاية عظمة شأنه تعالى وكمال كبرياء * سلطانه ما لا يخفى على أولى الألباب( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ )أي جعلناه لينا في نفسه كالشمع يصرفه في يده كيف يشاء من غير إحماء بنار ولا ضرب بمطرقة أو جعلناه بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينا كالشمع 11 بالنسبة إلى سائر القوى البشرية( أَنِ اعْمَلْ )أمرناه أن اعمل على أن أن مصدرية حذف عنها الباء وفي حملها على المفسرة تكلف لا يخفى( سابِغاتٍ )واسعات وقرئ صابغات وهي الدروع الواسعة الضافية وهو عليه الصلاة والسلام أول من اتخذها وكانت قبل صفائح قالوا كان عليه الصلاة والسلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكرا فيسأل الناس ما تقولون في داود فيثنون عليه فقيض اللّه تعالى له ملكا في
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 124 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي