تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 56 إلى 59 ] قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ( 56 ) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 57 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 58 ) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ( 59 )
شرح
تعالى المسلوكة فيما بين عباده لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه كما ينبئ عنه قول الملائكةفَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَدون أن يقولوا من الممترين أو نحوه( قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ )استفهام إنكاري أي لا يقنط( مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ )المخطئون طريق المعرفة والصواب فلا يعرفون سعة رحمته وكمال علمه وقدرته كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلاملا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَومراده نفى القنوط عن نفسه على أبلغ وجه أي ليس بي قنوط من رحمته تعالى وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة على وفي التعرض لوصف الربوبية والرحمة ما لا يخفى من الجزالة وقرئ بضم النون وبكسرها من قنط بالفتح ولم تكن هذه المفاوضة من الملائكة مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاصة بل مع سارة أيضا حسبما شرح في سورة هود ولم يذكر ذلك هاهنا اكتفاء بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هذه هناك 57 اكتفاء بما ذكر هاهنا( قالَ )أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتوسيطه بين قوله السابق وبين قوله( فَما خَطْبُكُمْ )أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة( أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ )صريح في أن بينهما مقالة مطوية لهم أشير به إلى مكانها كما في قوله تعالىقالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّالآية فإن قوله الأخير ليس موصولا بقوله الأول بل هو مبنى على قوله تعالىفَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌفإن توسيط قال بين قوليه للإيذان بعدم اتصال الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل غيره ثم خطابه لهم عليهم الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجردا عن ذلك مع تصديره بالفاء دليل على أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة لبيان أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا فكأنه قال عليه الصلاة والسلام إن لم يكن شأنكم مجرد البشارة فما ذا هو فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه الصلاة والسلام بأن كل المقصود ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوى عدد والبشارة لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتفى بالواحد في زكريا عليه الصلاة والسلام ومريم ولا إلى أنهم 58 بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدءوا بها فتأمل( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ )هم قوم لوط لكن وصفوا بالإجرام وجئ بهم بطريق التنكير ذما لهم واستهانة بهم 59( إِلَّا آلَ لُوطٍ )استثناء متصل من الضمير في مجرمين أي إلى قوم أجرموا جميعا إلا آل لوط فالقوم والإرسال شاملان للمجرمين وغيرهم والمعنى إنا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط لنهلك الأولين * وننجى الآخرين ويدل عليه قوله تعالى( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ )أي لوطا وآله( أَجْمَعِينَ )أي مما يصيب القوم فإنه