تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 35 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 )
شرح
لا ادعاء وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداء وبقاء وكذا في كمالاته التابعة لوجوده فاتضح أنه يفيض عليه كل آن نعم لا تتناهى من وجوه شتى فسبحانك سبحانك ما أعظم سلطانك لا تلاحظك العيون بأنظارها ولا تطالعك العقول بأفكارها شأنك لا يضاهى وإحسانك لا يتناهى ونحن في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسم شكرك قاصرون نسألك الهداية إلى مناهج معرفتك والتوفيق * لأداء حقوق نعمتك لا نحصى ثناء عليك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ )* يظلم النعمة بإغفال شكرها أو بوضعه إياها في غير موضعها أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان( كَفَّارٌ )شديد الكفران وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع واللام في الإنسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجدا فيه من أفراده ويدخل في ذلك الذين بدلوا 35 نعمة اللّه كفرا الخ دخولا أوليا( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ )أي واذكر وقت قوله عليه الصلاة والسلام والمقصود من تذكيره تذكير ما وقع فيه من مقالاته عليه السلام على نهج التفصيل والمراد به تأكيد ما سلف من تعجيبه عليه السلام ببيان فن آخر من جناياتهم حيث كفروا بالنعم الخاصة بهم بعد ما كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث أسكنهم مكة شرفها اللّه تعالى لإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام والشكر لنعم اللّه تعالى وسأله تعالى أن يجعله بلدا آمنا ويرزقهم من الثمرات وتهوى قلوب الناس إليهم من كل أوب سحيق فاستجاب اللّه تعالى دعاءه وجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا بالبلد الحرام دار البوار وجعلوا للّه أندادا وفعلوا ما فعلوا *( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ )يعنى مكة شرفها اللّه سبحانه( آمِناً )أي ذا أمن أو آمنا أهله بحيث لا يخاف فيه على ما مر في سورة البقرة والفرق بينه وبين ما فيها من قولهرَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناًأن المسؤول هناك البلدية والأمن معا وهاهنا الأمن فقط حيث جعل هو المفعول الثاني للجعل وجعل البلد صفة للمفعول الأول فإن حمل على تعدد السؤال فلعله عليه السلام سأل أولا كلا الأمرين فاستجيب له في أحدهما وتأخر الآخر إلى وقته المقدر لما يقتضيه من الحكمة الداعية إليه ثم كرر السؤال كما هو المعتاد في الدعاء والابتهال أو كان المسؤول أولا مجرد الأمن المصحح للسكن كما في سائر البلاد وقد أجيب إليه وثانيا الأمن المعهود أو كله هو المسؤول فيهما وقد أجيب إليه أيضا لكن السؤال الثاني للاستدامة والاقتصار على ذلك لأنه المقصود الأصلي أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلاف الأمن وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولا واقتصر هاهنا على حكاية سؤال الأمن لا لمجرد أن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكى بقوله تعالىفَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْإذ المسؤول هويتها إليهم للمساكنة معهم لا للحج فقط وهو عين سؤال البلدية قد حكى بعبارة أخرى وكان ذلك أول ما قدم عليه السلام مكة كما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه عليه الصلاة