[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 33 إلى 34 ]
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 )
شرح
بإضافة صورها وكيفياتها على المواد الممتزجة من الماء والتراب أو أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو قادر على إيجاد الأشياء بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب كذلك لما أن له تعالى في إنشائها مدرجا من طور إلى طور صنائع وحكما يجدد فيها لأولى الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إبداعها دفعة وقولهلَكُمْصفة لقولهرِزْقاًإن أريد * به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل رزقا إياكم( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ )بأن أقدركم على صنعتها * واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك( لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ )جريا تابعا لإرادتكم( بِأَمْرِهِ )بمشيئة التي نيط بها كل شئ وتخصيصه بالذكر للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال الآلات كما يتراءى * من ظاهر الجال( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ )إن أريد بها المياه العظيمة الجارية في الأنهار العظام كما يومئ إليه ذكرها عند البحر فتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها 33 زروعهم وجنانهم وما أشبه ذلك وإن أريد بها نفس الأنهار فتسخيرها تيسيرها لهم( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ )يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه * من المكونات( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ )يتعاقبان خلفة لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها ذكر سبحانه وتعالى أنواع النعم الفائضة عليهم وأبرز كل واحدة منها في جملة مستقلة تنويها لشأنها وتنبيها على رفعة مكانها وتنصيصا على كون كل منها نعمة جليلة مستوجبة للشكر وفي التعبير عن التصريف المتعلق بما ذكر من الفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار بالتسخير من الإشعار بما فيها من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ما لا يخفى وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدمه من الأمور المعدودة مع ما بينه وبين خلق السماوات من المناسبة الظاهرة لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعى لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادى عن توهم كون الكل أعنى خلق السماوات 34 والأرض وتسخير الشمس والقمر نعمة واحدة كما مر في قصة البقرة( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ )أي أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة كقوله سبحانهمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُأو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ونيط به انتظام أحوالكم على الوجه المقدر فكأنكم سألتموه أو كل ما طلبتموه بلسان الاستعداد أو كل ما سألتموه على أن من للبيان وكلمة كل للتكثير كقولك فلان يعلم كل شئ وأتاه كل الناس وعليه قوله عزّ وجلفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍوقيل الأصل وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقى على ما ألقى وقرئ بتنوين * كل على أن ما نافية ومحل ما سألتموه النصب على الحالية أي آتاكم من كل غير سائليه( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ )