تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ( 23 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 )
شرح
أيضا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف من إصراخ الغير ولذلك آثر الجملة الاسمية فكان ما مضى كان جوابا منه عن توبيخهم وتقريعهم وهذا جواب عن استغاثتهم واستعانتهم به في استدفاع ما دهمهم من العذاب وقرئ بكسر الياء( إِنِّي كَفَرْتُ )اليوم( بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ )أي بإشراككم * إياي بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله تعالىوَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْيعنى أن إشراككم لي باللّه سبحانه هو الذي يطمعكم في نصرتي لكم بأن كان لكم على حق حيث جعلتمونى معبودا وكنت أود ذلك وأرغب فيه فاليوم كفرت بذلك ولم أحمده ولم أقبله منكم بل تبرأت منه ومنكم فلم يبق بيني وبينكم علاقة أو كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو اللّه تعالى كما في قوله سبحان ما سخركن لنا فيكون تعليلا لعدم إصراخه فإن الكافر باللّه سبحانه بمعزل من الإغاثة والإعانة سواء كان بالمدافعة أو الشفاعة وأما جعله تعليلا لعدم إصراخهم إياه فلا وجه له إذ لا احتمال له حتى يحتاج إلى التعليل ولأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )تتمة كلامه أو ابتداء كلام من جهة اللّه عزّ وجل وفي حكاية أمثاله لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ )أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم والمدخلون هم الملائكة عليهم السلام وقرئ على صيغة التكلم فيكون قوله تعالىبِإِذْنِ رَبِّهِمْمتعلقا بقوله تعالى( تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ )أي يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم( أَ لَمْ تَرَ )الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم وقد علق بما بعده من قوله تعالى( كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا )أي كيف 24 اعتمده ووضعه في موضعه اللائق به( كَلِمَةً طَيِّبَةً )منصوب بمضمر أي جعل كلمة طيبة هي كلمة التوحيد * أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ )أي حكم بأنها مثلها * لا أنه تعالى صيرها مثلها في الخارج وهو تفسير لقولهضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاكقولك شرف الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس ويجوز أن يكون كلمة بدلا من مثلا وكشجرة صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة وأن يكون أول مفعولى ضرب إجراء له مجرى جعل قد أخر عن ثانيهما أعنى مثلا لئلا يبعد عن صفته التي هي كشجرة وقد قرئت بالرفع على الابتداء( أَصْلُها ثابِتٌ )أي ضارب بعروقه في الأرض وقرأ * أنس بن مالك رضى اللّه عنه كشجرة طيبة ثابت أصلها وقراءة الجماعة أقوى سبكا وأنسب بقرينته أعنى قوله تعالى( وَفَرْعُها )أي أعلاها( فِي السَّماءِ )في جهة العلو ويجوز أن يراد وفروعها على الاكتفاء بلفظ * الجنس عن الجمع .