[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 3 ]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 )
شرح
أي خلقهن مرتفعات على طريقة قولهم سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك والجملة مبتدأ وخبر كقولهوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ( بِغَيْرِ عَمَدٍ )أي بغير دعائم جمع عماد كإهاب * وأهب وهو ما يعمد به أي يسند يقال عمدت الحائط أي أدعمته وقرئ عمد على جمع عمود بمعنى عماد كرسل ورسول وإيراد صيغة الجمع لجمع السماوات لا لأن المنفى عن كل واحدة منها عمد لا عماد( تَرَوْنَها )* استئناف استشهد به على ما ذكر من رفع السماوات بغير عمد وقيل صفة لعمد جئ بها إيهاما لأن لها عمدا غير مرئية هي قدرة اللّه تعالى( ثُمَّ اسْتَوى )أي استولى( عَلَى الْعَرْشِ )بالحفظ والتدبير أو استوى * أمره وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة للّه عزّ وجل بلا كيف وأياما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش وخلقه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخى في الرتبة( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ )ذللهما * وجعلهما طائعين لما أريد منهما من الحركات وغيرها( كُلٌّ )من الشمس والقمر( يَجْرِي )حسبما أريد منها *( لِأَجَلٍ مُسَمًّى )لمدة معينة فيها تتم دورته كالسنة للشمس والشهر للقمر فإن كلا منهما يجرى كل يوم على مدار * معين من المدارات اليومية أو لمدة ينتهى فيها حركاتهما ويخرج جميع ما أريد منهما من القوة إلى الفعل أو لغاية يتم عندها ذلك والجملة بيان لحكم تسخيرهما( يُدَبِّرُ )بما صنع من الرفع والاستواء والتسخير أي * يقضى ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة( الْأَمْرَ )أمر الخلق كله وأمر ملكوته وربوبيته( يُفَصِّلُ الْآياتِ )الدلالة على كمال قدرته وبالغ حكمته أي يأتي بها مفصلة وهي ما ذكر من الأفعال العجيبة وما يتلوها من الأوضاع الفلكية الحادثة شيئا فشيئا المستتبعة للآثار الغريبة في السفليات على موجب التدبير والتقدير فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقولهوَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَمن تتمة الاستواء وإما مفسرتان له أو الأولى حال منه والثانية من الضمير فيها أو كلاهما من ضمائر الأفعال المذكورة وقولهكُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّىمن تتمة التسخير أو خبران عن قولهاللَّهُخبرا بعد خبر والموصول صفة للمبتدأ جئ به للدلالة على تحقيق الخبر وتعظيم شأنه كما في قول الفرزدق[ إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول ]( لَعَلَّكُمْ )عند معاينتكم لها وعثوركم على تفاصيلها( بِلِقاءِ رَبِّكُمْ )بملاقاته للجزاء( تُوقِنُونَ )* فإن من تدبرها حق التدبر أيقن أن من قدر على إبداع هذه الصنائع البديعة على كل شئ قدير وأن لهذه التدبيرات المتينة عواقب وغايات لا بد من وصولها وقد بينت على ألسنة الأنبياء عليهم السلام أن ذلك ابتلاء المكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالهم فإذن لا بد من الإيقان بالجزاء ولما قرر الشواهد العلوية أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ )أي بسطها طولا وعرضا قال الأصم المد هو 3 البسط إلى ما لا يدرك منتهاه ففيه دلالة على بعد مداها وسعة أقطارها( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ )أي جبالا * ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها