تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 )
شرح
يخيبه أبدا لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إضافة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع ولذلك قيل إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع اللّه تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ )عطف على قوله تعالىإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُمترتب مضمونه على مضمونه فإن ضعف القوى وكبر السن من مبادى خوفه عليه السلام من يلي أمره بعد موته ومواليه * بنو عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته ويبدلوا عليهم دينهم وقوله( مِنْ وَرائِي )أي بعد موتى متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي فعل الموالى من بعدى أو جور الموالى وقد قرئ كذلك أو بما في الموالى من معنى الولاية أي خفت الذين يلون الأمر من ورائي لا بخفت لفساد المعنى وقرئ ورأى بالقصر وفتح الياء وقرئ خفت الموالى من ورائي أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمور الدين بعدى أو خفت الموالى القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح الأمة من خف القوم أي ارتحلوا مسرعين * أي درجوا قدامي ولم يبق منهم من به تقو واعتضاد فالظرف حينئذ متعلق بخفت( وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً )* أي لا تلد من حين شبابها( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ )كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجازا وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده ويجوز تعلق الثاني بمحذوف وقع حالا من المفعول ولدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات وقد مر تفصيله في أوائل سورة آل عمران أي أعطني من محض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة بطريق الاختراع * لا بواسطة الأسباب العادية( وَلِيًّا )أي ولدا من صلبي وتأخيره عن الجارين لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مستشرفة فعند وروده لها يتمكن عندها فضل تمكن ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرهما عن الكل أو توسيطهما بين الموصوف والصفة مما لا يليق بجزالة النظم الكريم والفاء لترتيب ما بعدها على ما قيلها فإن ما ذكره عليه الصلاة السلام من كبر السن وضعف القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عليه السلام عن حصول الولد بتوسط الأسباب العادية واستيهابه على الوجه الخارق للعادة ولا يقدح في ذلك أن يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرة في حق مريم كما يعرب عنه قوله تعالىهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُالآية وعدم ذكره هاهنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدم ذكر مقدمة الدعاء هناك للاكتفاء بذكره هاهنا فإن الاكتفاء مما ذكر في موطن عما ترك 6 في موطن آخر من النكت التنزيلية وقوله تعالى( يَرِثُنِي )صفة لوليا وقرئ هو وما عطف عليه بالجزم جوابا للدعاء أي يرثني من حيث العلم والدين والنبوة فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورثون المال قال صلّى اللّه عليه وسلم