تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 108 إلى 110 ] خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ( 108 ) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 ) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 )
شرح
( خالِدِينَ فِيها )نصب على الحالية( لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا )مصدر كالعوج والصغر أي لا يطلبون تحولا عنها 108 إذ لا يتصور أن يكون شئ أعز عندهم وأرفع منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم وتطمح نحوه أبصارهم ويجوز أن يراد نفى التحول وتأكيد الخلود والجملة حال من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فيكون حالا متداخلة( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ )أي جنس البحر( مِداداً )وهو ما تمد به الدواة من الحبر( لِكَلِماتِ رَبِّي )لتحرير كلمات 109 علمه وحكمته التي من جملتها ما ذكر من الآيات الداعية إلى التوحيد المحذرة من الإشراك( لَنَفِدَ الْبَحْرُ )* مع كثرته ولم يبق منه شئ لتناهيه( قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ )وقرئ بالياء والمعنى من غير أن تنفد( لِكَلِماتِ رَبِّي )* لعدم تناهيها فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر وفي إضافة الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلم في الموضعين من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى وإظهار البحر والكلمات في موضع الإضمار لزيادة التقرير( وَلَوْ جِئْنا )كلام من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن جئ به لتحقيق مضمونه * وتصديق مدلوله مع زيادة مبالغة وتأكيد والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة المذكورة عليها دلالة واضحة أي لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى لو لم نجئ بمثله مددا ولو جئنا بقدرتنا الباهرة( بِمِثْلِهِ مَدَداً )عونا وزيادة لأن مجموع المتناهيين متناه بل مجموع ما يدخل تحت الوجود من الأجسام * لا يكون إلا متناهيا لقيام الأدلة القاطعة على تناهى الأبعاد وقرئ مددا جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب وقرئ مدادا( قُلْ )لهم بعد ما بينت لهم شأن كلماته تعالى( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )لا أدعى الإحاطة بكلماته 110 التامة( يُوحى إِلَيَّ )من تلك الكلمات( أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ )لا شريك له في الخلق ولا في سائر أحكام الألوهية * وإنما تميزت عنكم بذلك( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ )الرجاء توقع وصول الخير في المستقبل والمراد بلقائه * تعالى كرامته وإدخال الماضي على المستقبل للدلالة على أن اللائق بحال المؤمن الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء أي فمن استمر على رجاء كرامته تعالى( فَلْيَعْمَلْ )لتحصيل تلك الطلبة العزيزة( عَمَلًا صالِحاً )* في نفسه لائقا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات( وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )إشراكا * جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهل الرياء ومن يطلب به أجرا وإيثار وضع المظهر موضع المضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبية لزيادة التقرير وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهى ووجوب الامتثال فعلا وتركا . روى أن جندب بن زهير رضى اللّه عنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إني لأعمل العمل للّه تعالى فإذا اطلع عليه سرني فقال صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه لا يقبل ما شورك فيه