[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 78 إلى 79 ]
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 )
شرح
( أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ )هي أنطاكية وقيل أيلة وهي أبعد أرض اللّه من السماء وقيل هي برقة وقيل بلدة بأندلس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كانوا أهل قرية لئاما وقيل شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه وقوله تعالى( اسْتَطْعَما أَهْلَها )في محل الجر على أنه صفة لقرية ولعل العدول عن استطعماهم على أن * يكون صفة للأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم فإن الإباء من الضيافة وهم أهلها قاطنون بها أقبح وأشنع روى أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما )بالتشديد * وقرئ بالتخفيف من الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفا وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفا له وحقيقة ضاف مال إليه من ضاف السهم عن الغرض ونظيره زاره من الازورار( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )* أي يدانى أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة للدلالة على المبالغة في ذلك والانقضاض الإسراع في السقوط وهو انفعال من القض يقال قضضته فانقض ومنه انقضاض الطير والكوكب لسقوطه بسرعة وقيل هو افعلال من النقض كاحمر من الحمرة وقرئ أن ينقض من النقض وأن ينقاض من انقاضت السن إذا انشقت طولا( فَأَقامَهُ )قيل مسحه بيده فقام وقيل نقضه وبناه وقيل أقامه بعمود عمده به قيل * كان سمكه مائة ذاع( قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً )تحريضا له على أخذ الجعل لينتعشا به أو تعريضا * بأنه فضول لما في لو من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك الصبر واتخذ افتعل من تخذ بمعنى أخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين وقرئ لتخذت أي لأخذت وقرئ بإدغام الذال في التاء( قالَ )أي الخضر عليه الصلاة والسلام( هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ )على إضافة 78 المصدر إلى الظرف اتساعا وقد قرئ على الأصل والمشار إليه إما نفس الفراق كما في هذا أخوك أو الوقت الحاضر أي هذا الوقت وقت فراق بيني وبينك أو السؤال الثالث أي هذا سبب ذلك الفراق حسبما هو الموعود( سَأُنَبِّئُكَ )السين للتأكيد لعدم تراخى التنبئة( بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً )التأويل رجع * الشئ إلى مآله والمراد به هاهنا المآل والعاقبة إذ هو المنبأ به دون التأويل وهو خلاص السفينة من اليد العادية وخلاص أبوى الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسن واستخراج اليتيمين للكنز وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعة موسى عليه الصلاة والسلام للصبر دون أن يقال بتأويل ما فعلت أو بتأويل ما رأيت ونحوهما أنواع تعريض به عليه الصلاة والسلام وعتاب( أَمَّا السَّفِينَةُ )التي خرقتها( فَكانَتْ لِمَساكِينَ )لضعفاء 79 لا يقدرون على مدافعة الظلمة وقيل كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة( يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ )* وإسناد العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها )أي أجعلها ذات عيب( وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ )أي أمامهم وقد قرئ به أو خلفهم وكان رجوعهم