تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 65 إلى 69 ] فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 )
شرح
( نَبْغِ )وقرئ بإثبات الياء والضمير العائد إلى الموصول محذوف أصله نبغيه أي نطلبه لكونه أمارة للفوز * بالمرام( فَارْتَدَّا )أي رجعا( عَلى آثارِهِما )طريقهما الذي جاءا منه( قَصَصاً )يقصان قصصا أي يتبعان 65 آثارهما اتباعا أو مقتصين حتى أتيا الصخرة( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا )التنكير للتفخيم والإضافة للتشريف * والجمهور على أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وقيل اليسع وقيل إلياس عليهم الصلاة والسلام( آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا )هي الوحي والنبوة كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصها بجناب الكبرياء( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً )خاصا لا يكتنه كنهه ولا يقادر قدره وهو علم الغيوب( قالَ لَهُ مُوسى )استئناف مبنى على * سؤال نشأ من السباق كأنه قيل فما ذا جرى بينهما من الكلام فقيل قال له موسى( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ )* استئذانا منه في اتباعه له على وجه التعلم( مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً )أي علما ذا رشد أرشد به في ديني والرشد إصابة الخير وقرئ بفتحتين وهو مفعول تعلمن ومفعول علمت محذوف وكلاهما منقول من علم المتعدى إلى مفعول واحد ويجوز كونه علة لأتبعك أو مصدرا بإضمار فعله ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من نبي آخر ما لا تعلق له بأحكام شريعته من أسرار العلوم الخفية ولقد راعى في سوق الكلام غاية 67 التواضع معه عليهما السلام( قالَ )أي الخضر( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً )نفى عنه استطاعة الصبر معه 68 على وجه التأكيد كأنه مما لا يصح ولا يستقيم وعلله بقوله( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً )إيذانا بأنه يتولى أمورا خفية المدار منكرة الظواهر والرجل الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها وفي صحيح البخاري قال الخضر يا موسى إني على علم من علم اللّه تعالى علمنيه لا تعلمه 69 وأنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه وخبرا تمييز أي لم يحط به خبرك( قالَ )موسى عليه الصلاة * والسلام( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً )معك غير معترض عليك وتوسيط الاستثناء بين مفعولى الوجدان * لكمال الاعتناء بالتيمن ولئلا يتوهم تعلقه بالصبر( وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً )عطف على صابرا أي ستجدني صابرا وغير عاص وفي وعد هذا الوجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبر وترك العصيان أو على ستجدني فلا محل له من الإعراب والأول هو الأولى لما عرفته ولظهور تعلقه بالاستثناء حينئذ وفيه دليل على أن أفعال العباد بمشيئة اللّه سبحانه وتعالى .