تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 )
شرح
84( قُلْ كُلٌّ )أي كل أحد منكم وممن هو على خلافكم( يَعْمَلُ )عمله( عَلى شاكِلَتِهِ )طريقته التي تشاكل حاله * في الهدى والضلالة أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه( فَرَبُّكُمْ )الذي برأكم على هذه الطبائع * المتخالفة( أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا )أي أسد طريقا وأبين منهاجا وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة 85 والدين( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )الظاهر أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبر البدن الإنسانى ومبدأ حياته روى أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها جميعا أو سكت فليس بنى وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم القصتين * وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة( قُلِ الرُّوحُ )أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال الاعتناء بشأنه *( مِنْ أَمْرِ رَبِّي )كلمة من بيانية والأمر بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادى لاشتراك الكل فيه وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه أي هو من * جنس ما استأثر اللّه تعالى بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب قال صلّى اللّه عليه وسلم بل نحن وأنتم فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقولوَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراًوساعة تقول هذا فنزلتوَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌالآية وإنما قالوا ذلك لركاكة عقولهم فإن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقة البشرية بل ما نيط به المعاش والمعاد وذلك بالإضافة إلى ما لا نهاية له من معلوماته سبحانه قليل ينال به خير كثير في نفسه أو بالنسبة إلى الإنسان أو هو من الإبداعيات الكائنة بمحض الأمر التكويني من غير تحصل من مادة وتولد من أصل كأعضاء الجسد حتى يمكن تعريفه ببعض مباديه ومآله أنه من عالم الأمر لا من عالم الخلق وليس هذا من قبيل قوله سبحانهإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُفإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق وفيه تنبيه على أنه مما لا يحيط بكنهه دائرة إدراك البشر وإنما الممكن هذا القدر الإجمالي المندرج تحت ما استثنى بقوله تعالىوَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاأي إلا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس فإن تعقل المعارف النظرية إنما هو من إحساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شئ من أحواله التي يدور عليها معرفة ذاته وأما حمل ما ذكر على السؤال عن قدمه وحدوثه وجعل الجواب إخبارا بحدوثه أي كائن بتكوينه حادث بإحداثه بالأمر التكويني فمع عدم ملاءمته لحال السائلين لا يساعده التعرض لبيان قلة علمهم فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمهم حينئذ وقد أخبر عنه وقيل المراد بالروح خلق عظيم روحاني أعظم من الملك وقيل جبريل عليه السلام وقيل القرآن ومعنى من أمر ربى من وحيه وكلامه لا من كلام البشر .