تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 90 إلى 92 ] قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 90 ) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 92 )
شرح
على قفاه ليقتل ففداه اللّه تعالى وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلى فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم فقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته على وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام فلما قرأه لم يتمالك 90 وعيل صبره فقال لهم ما قال وقيل لما قرأه بكى وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا( قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ )استفهام تقرير ولذلك أكدوه بأن واللام قالوه استغرابا وتعجبا وقرئ إنك بالإيجاب قيل عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به وقيل تبسم فعرفوه بثناياه وقيل رفع التاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكان لسارة ويعقوب مثلها وقرئ أإنك أو أنت يوسف على * معنى أإنك يوسف أو أنت يوسف فحذف الأول لدلالة الثاني عليه وفيه زيادة استغراب( قالَ أَنَا يُوسُفُ )* جوابا عن مسألتهم وقد زاد عليه قوله( وَهذا أَخِي )أي من أبوى مبالغة في تعريف نفسه وتفخيما لشأن * أخيه وتكملة لما أفاده قولههَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِحسبما يفيده قوله( قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا )فكأنه قال هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلال فأما يوسف وهذا أخي قد من اللّه علينا بالخلاص عما ابتلينا به والاجتماع بعد الفرقة والعزة بعد الذلة والأنس بعد الوحشة ولا يبعد أن يكون فيه إشارة إلى الجواب عن طلبهم لرد بنيامين بأنه أخي لا أخوكم فلا وجه لطلبكم ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي * بقوله( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ )أي يفعل التقوى في جميع أحواله أو يق نفسه عما يوجب سخط اللّه تعالى وعذابه *( وَيَصْبِرْ )على المحن أو على مشقة الطاعات أو عن المعاصي التي تستلذها النفس( فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )أي أجرهم وإنما وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون 91 بالإحسان( قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا )اختارك وفضلك علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة( وَإِنْ كُنَّا )وإن الشأن كنا( لَخاطِئِينَ )لمتعمدين للذنب إذ فعلنا بك ما فعلنا ولذلك أعزك وأذلنا وفيه إشعار 92 بالتوبة والاستغفار ولذلك( قالَ لا تَثْرِيبَ )أي لا عتب ولا تأنيب( عَلَيْكُمُ )وهو تفعيل من الثرب وهو الشحم الغاشى للكرش ومعناه إزالته كما أن التجليد إزالة الجلد والتقريع إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان * ذلك غاية الهزال فضرب مثلا للتقريع الذي يذهب بماء الوجوه وقوله عزّ وعلا( الْيَوْمَ )منصوب بالتثريب أو بالمقدر خبرا للا أي لا أثر بكم أو لا تثريب مستقر عليكم اليوم الذي هو مظنة له فما ظنكم بسائر الأيام