تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 56 إلى 58 ] وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 )
شرح
عليه السلام ولعل إيثاره عليه السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين حسبما فصل في التأويل لكونه من فروع تلك الولاية لمجرد عموم الفائدة وجموم العائدة كما قيل وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله عليه السلام من جعله على خزائن الأرض إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له غنى عن التصريح به لا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها من قولهإِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌوللتنبيه على أن كل ذلك من اللّه عزّ وجل وإنما الملك آلة في ذلك قيل( وَكَذلِكَ )أي مثل ذلك التمكين البليغ( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ )أي جعلنا له مكانا( فِي الْأَرْضِ )أي أرض 56 مصر . روى أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين وفي التعبير عن الجعل المذكور بالتمكين في الأرض مسندا إلى ضميره عزّ سلطانه من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايته والإشارة إلى حصول ذلك من أول الأمر لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى( يَتَبَوَّأُ مِنْها )ينزل من بلادها( حَيْثُ يَشاءُ )ويتخذه * مباءة وهو عبارة عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ملكته وسلطانه فكأنها منزله يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله وقرأ ابن كثير بالنون . روى أن الملك توجه وختمه بخاتمة ورداه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت فقال عليه السلام أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسى ولا لباس آبائي فقال قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء وباع من أهل مصر في سنى القحط الطعام في السنة الأولى بالدنانير والدراهم وفي الثانية بالحلى والجواهر وفي الثالثة بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعا فقالوا ما رينا كاليوم ملكا أجل وأعظم منه ثم أعتقهم ورد إليهم أموالهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا )* بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم( مَنْ نَشاءُ )بمقتضى الحكمة الداعية إلى المشيئة( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )بل نوفيه بكماله وفيه إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصببه الرحمة المرقومة وأنها أجر له ولدفع توهم انحصار ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر العاجل قيل على سبيل التوكيد( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ )أي أجرهم في الآخرة فالإضافة للملابسة وهو النعيم المقيم الذي لا نفاد له( خَيْرٌ )57 لهم أي للمحسنين المذكورين وإنما وضع موضعه الموصول فقيل( لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ )تنبيها على * ان المراد بالإحسان إنما هو الإيمان والثبات على التقوى المستفاد من جمع صيغتى الماضي والمستقبل( وَجاءَ