تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
[ سورة هود ( 11 ) : آية 28 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 )
شرح
قرأه أبو عمرو بها وانتصابه على الظرفية على حذف المضاف أي وقت حدوث بادي الرأي والعامل فيه اتبعك وإنما استرذلوهم مع كونهم أولى الألباب الراجحة لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهر الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم الأكثر منها حظا والأرذل من حرمها ولم يفقهوا أن ذلك لا يزن عند اللّه جناح بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم الآخرة والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه نعوذ باللّه تعالى من ذلك( وَما نَرى لَكُمْ )أي لك ولمتبعيك فغلب المخاطب على الغائبين( عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ )يعنون أن اتباعهم * لك لا يدل على نبوتك ولا يجديهم فضيلة تستتبع اتباعنا لكم واقتصارهم هاهنا على ذكر عدم رؤية الفضل بعد تصريحهم برذالتهم فيما سبق باعتبار حالهم السابق واللاحق ومرادهم أنهم كانوا أراذل قبل اتباعهم لك ولا نرى فيهم وفيك بعد الاتباع فضيلة علينا( بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ )جميعا لكون كلامكم واحدا ودعواكم * واحدة أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في تصديقك واقتصارهم على الظن احتراز منهم عن نسبتهم إلى المجازفة ومجاراة معه صلّى اللّه عليه وسلم بطريق الإراءة على نهج الإنصاف( قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ )أي أخبروني وفيه إيماء 28 إلى ركاكة رأيهم المذكور( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ )برهان ظاهر( مِنْ رَبِّي )وشاهد يشهد بصحة دعواي *( وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ )هي النبوة ويجوز أن تكون هي البينة نفسها جئ بها إيذانا بأنها مع كونها بينة * من اللّه تعالى رحمة ونعمة عظيمة من عنده فوجه إفراد الضمير في قوله تعالى( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ )حينئذ * ظاهر وإن أريد بها النبوة وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالإفراد لإرادة كل واحدة منهما أو لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفائها خفاء النبوة أو لتقدير فعل آخر بعد البينة ومعنى عميت أخفيت وقرئ عميت ومعناه خفيت وحقيقته أن الحجة كما تجعل مبصرة وبصيرة تجعل عمياء لأن الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره وفي قراءة أبى فعماها عليكم على الإسناد إلى اللّه عزّ وجل( أَ نُلْزِمُكُمُوها )أي أنكرهكم * على الاهتداء بها وهو جواب أرأيتم وساد مسد جواب الشرط وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركة الميم وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قدم أعرفهما جاز في الثاني الوصل والفصل فوصل كما في قوله تعالىفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ( وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ )لا تختارونها ولا تتأملون فيها ومحصول الجواب أخبروني إن كنت على حجة * ظاهرة الدلالة على صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم غير مسلمة عندكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك وظاهره مشعر بصدوره عنه صلّى اللّه عليه وسلم بطريق إظهار اليأس عن إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله تعالىوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِيالخ لكنه محمول على أن مراده صلّى اللّه عليه وسلم ردهم عن الإعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار إلى الإلزام حال كراهتهم لها لا إلى الإلزام مطلقا هذا ويجوز أن يكون المراد بالبينة دليل العقل الذي هو ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد البشر بعضها من بعض وبه يناط الكرامة عند اللّه عزّ وجل والاجتباء للرسالة وبالكون عليها التمسك به والثبات
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 201 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي