[ سورة يونس ( 10 ) : آية 91 ]
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 )
شرح
أي باغين وعادين أو للبغى والعدوان وقرئ وعدوا وذلك أن موسى عليه السلام خرج ببنى إسرائيل على حين غفلة من فرعون فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده أجمعين فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم( حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ )أي لحقه وألجمه( قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ )أي بأنه والضمير للشأن وقرئ إنه * على الاستئناف بدلا من آمنت وتفسيرا له( لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ )لم يقل كما قاله السحرة * آمنا برب العالمين رب موسى وهارون بل عبر عنه تعالى بالموصول وجعل صلته إيمان بني إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا في القبول والانتظام معهم في سلك النجاة( وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ )أي الذين أسلموا نفوسهم للّه أي جعلوها سالمة خاصة له تعالى وأراد بهم * إما بني إسرائيل خاصة وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا والجملة على الأول عطف على آمنت وإيثار الاسمية لادعاء الدوام والاستمرار وعلى الثاني يحتمل الحالية أيضا من ضمير المتكلم أي آمنت مخلصا للّه منتظما في سلك الراسخين فيه ولقد كرر المعنى الواحد بثلاث عبارات حرصا على القبول المفضى إلى النجاة وهيهات هيهات بعد ما فات ما فات وأتى ما هو آت وقوله عزّ وجل( آلْآنَ )مقول لقول مقدر 91 معطوف علىقالَأي فقيل آلآن وهو إلى قوله تعالىآيَةًحكاية لما جرى منه سبحانه من الغضب على المخذول ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكار التوبيخى على تأخيره وتقريعه بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكور وإبراز الخبر المحكى في صورة الإنشاء من الدلالة على عظم السخط وشدة الغضب ما لا يخفى كما يفصح عنه ما روى من أن جبريل دس فاه عند ذلك بحال البحر وسده به فإنه تأكيد للرد القولي بالرد الفعلي ولا ينافيه تعليله بمخافة إدراك الرحمة فيما نقل أنه قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فلو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة إذ المراد بها الرحمة الدنيوية أي النجاة التي هي طلبة المخذول وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في إيمان قوم يونس عليه السلام حتى يلزم من كراهته ما لا يتصور في شأن جبريل عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس فيحمل دسه صلّى اللّه عليه وسلم على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة الحرد فتدبر واللّه الموفق وحق العامل في الظرف أن يقدر مؤخرا ليتوجه الإنكار والتوبيخ إلى تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه أي آلآن تؤمن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات وقوله عزّ وعلا( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ )حال من فاعل الفعل المقدر جئ به لتشديد التوبيخ * والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيره لعدم بلوغ الدعوة إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياته ولا لشئ آخر مما عسى يعد عذرا في التأخير بل كان ذلك على طريقة الرد والاستعصاء والإفساد فإن قوله تعالى( وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )عطف علىعَصَيْتَداخل في حيز الحال أي وكنت * من الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان كقوله تعالىالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ