تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 39 إلى 40 ] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 )
شرح
والمأخوذ يساوى عشرة دراهم فما فوقها مع شروط فصلت في موقعها والمراد بأيديهما أيمانهما كما يفصح عنه قراءة ابن مسعود رضى اللّه تعالى عنه والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالىفَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمااكتفاء بتثنية المضاف إليه واليد اسم لتمام الجارحة ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب والجمهور على أنه الرسغ لأنه عليه الصلاة والسلام أتى بسارق فأمر بقطع يمينه منه( جَزاءً )نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء أو مصدر مؤكد * لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا أي فجازوهما جزاء وقوله تعالى( بِما كَسَبا )على الأول متعلق بجزاء * وعلى الثاني باقطعوا وما مصدرية أي بسبب كسبهما أو موصولة أي ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى( نَكالًا )مفعول له أيضا على البدلية من جزاء لأنهما من نوع واحد وقيل القطع * معلل بالجزاء والقطع المعلل معلل بالنكال وقيل هو منصوب بجزاء على طريقة الأحوال المتداخلة فإنه علة للجزاء والجزاء علة للقطع كما إذا قلت ضربته تأديبا له إحسانا إليه فإن الضرب معلل بالتأديب والتأديب معلل بالإحسان وقد أجازوا في قوله عزّ وجلأَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِأن يكون بغيا مفعولا له ناصبه أن يكفروا ثم قالوا إن قوله تعالىأَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُمفعول له ناصبهبَغْياًعلى أن التنزيل علة للبغى والبغى علة للكفر وقوله تعالى( مِنَ اللَّهِ )متعلق بمحذوف وقع * صفة لنكالا أي نكالا كائنا منه تعالى( وَاللَّهُ عَزِيزٌ )غالب على أمره يمضيه كيف يشاء من غيرند ينازعه * ولا ضد يمانعه( حَكِيمٌ )في شرائعه لا يحكم إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع * المنطوية على فنون الحكم والمصالح( فَمَنْ تابَ )أي من السراق إلى اللّه تعالى( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ )الذي هو سرقته والتصريح به مع أن التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته( وَأَصْلَحَ )* أي أمره بالتفصي عن تبعات ما باشره والعزم على ترك المعاودة إليها( فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ )أي يقبل توبته * فلا يعذبه في الآخرة وأما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لأن فيه حق المسروق منه وتسقطه عند الشافعي في أحد قوليه( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )مبالغ في المغفرة والرحمة ولذلك يقبل توبته وهو تعليل لما قبله * وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم وتأييد استقلال الجملة وكذا في قوله عزّ وجل( أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما والجار والمجرور خبر مقدم وملك السماوات والأرض مبتدأ والجملة خبر لأن وهي مع ما في حيزها سادة مسد مفعولى تعلم عند الجمهور وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم والخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بطريق التلوين وقيل لكل أحد صالح للخطاب والاستفهام الإنكارى لتقرير العلم والمراد به الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 35 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي