تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 186 إلى 187 ] مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 187 )
شرح
فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت وما ذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا وقيل الضمير لأجلهم والمعنى فبأي حديث بعد انقضاء أجلهم يؤمنون وقيل للرسول صلّى اللّه عليه وسلم على حذف مضاف أي فبأي حديث بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس وقوله تعالى( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ )استئناف مقرر لما قبله منبئ عن الطبع على قلوبهم وقوله تعالى( وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ )بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم وقرئ بنون العظمة على طريقة الالتفات أي ونحن نذرهم وقرئ بالياء والجزم عطفا على محل فلا هادي له كأنه قيل من يضلل اللّه لا يهده أحد ويذرهم * وقد روى الجزم بالنون عن نافع وأبى عمرو في الشواذ وقوله تعالى( يَعْمَهُونَ )أي يترددون ويتحيرون حال من مفعول يذرهم وتوحيد الضمير في حيز النفي نظرا إلى لفظ من وجمعه في حيز الإثبات نظرا إلى معناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات للكل( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ )استئناف مسوق لبيان بعض أحكام ضلالهم وطغيانهم أي عن القيامة وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة ما فيها من الحساب أو لأنها ساعة عند اللّه تعالى مع طولها في نفسها قيل إن قوما من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم متى هي وكان ذلك امتحانا منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر * بعلمها وقيل السائلون قريش وقوله تعالى( أَيَّانَ مُرْساها )بفتح الهمزة وقد قرئ بكسرها وهو ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما قيل اشتقاقه من أي فعلان منه لأن معناه أي وقت وهو من أويت إلى الشئ لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه ومحله الرفع على أنه خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر أي متى إرساؤها أي إثباتها وتقريرها فإنه مصدر ميمى من أرساه إذا أثبته وأقره ولا يكاد يستعمل إلا في الشئ الثقيل كما في قوله تعالىوَالْجِبالَ أَرْساهاومنه مرساة السفن ومحل الجملة قيل الجر على البدلية من الساعة والتحقيق أن محلها النصب بنزع الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل يسألونك عن الساعة عن أيان مرساها وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانيا تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها المعين لا وقتها باعتبار كونه محلا لها وقد سلك هذا المسلك في الجواب الملقن أيضا * حيث أضيف العلم بالمطلوب بالسؤال إلى ضميرها فأخبر باختصاصه به عزّ وجل حيث قيل( قُلْ إِنَّما عِلْمُها )* أي علمها بالاعتبار المذكور( عِنْدَ رَبِّي )ولم يقل إنما علم وقت إرسائها ومن لم يتنبه لهذه النكتة حمل