تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 184 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 )
شرح
وأحكامه لا نفسه كما يلوح به تغيير التعبير بتوحيد الضمير مع ما فيه من الافتنان المنبئ عن مزيد الاعتناء بمضمون الكلام لابتنائه على تجديد القصد والعزيمة وأما إن ذلك للإشعار بأنه بمحض التقدير الإلهى والاستدراج بتوسط المدبرات فمبناه دلالة نون العظمة على الشركة وأنى ذلك وإلا لاحترز عن إيرادها في قوله تعالىوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْالآية بل إنما إيرادها في أمثال * هذه الموارد بطريق الجريان على سنن الكبرياء( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ )تقرير للوعيد وتأكيد له أي قوى لا يدافع بقوة ولا بحيلة والمراد به إما الاستدراج والإملاء مع نتيجتهما التي هي الأخذ الشديد على غرة فتسميته كيدا لما أن ظاهره لطف وباطنه قهر وإما نفس ذلك الأخذ فقط فالتسمية لكون مقدماته كذلك وأما أن حقيقة الكيد هو الأخذ على خفاء من غير أن يعتبر فيه إظهار خلاف ما أبطنه فمما لا تعويل عليه مع عدم مناسبته للمقام ضرورة استدعائه لاعتبار القيد المذكور حتما( أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ )كلام مبتدأ مسوق لإنكار عدم تفكرهم في شأنه صلّى اللّه عليه وسلم وجهلهم بحقيقة حاله الموجبة للإيمان به وبما أنزل عليه من الآيات التي كذبوا بها والهمزة للإنكار والتعجيب والتوبيخ والواو للعطف على مقدر يستدعيه سباق النظم الكريم وسياقه وما إما استفهامية إنكارية في محل الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم وإما نافية اسمها جنة وخبرها بصاحبهم والجنة من المصادر التي يراد بها الهيئة كالركبة والجلسة وتنكيرها للتقليل والتحقير والجملة معلقة لفعل التفكر لكونه من أفعال القلوب ومحلها على الوجهين النصب على نزع الجار أي أكذبوا بها ولم يتفكروا في أي شئ من جنون ما كائن بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق وعليه أنزلت تلك الآيات أو في أنه ليس بصاحبهم شئ من جنة حتى يؤديهم التفكر في ذلك إلى الوقوف على صدقه وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات وقيل قد تم الكلام عند قوله تعالىأَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُواأي أكذبوا بها ولم يفعلوا التفكر ثم ابتدئ فقيل أي شئ بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت أو قيل ليس بصاحبهم شئ منها والتعبير عنه صلّى اللّه عليه وسلم بصاحبهم للإيذان بأن طول مصاحبتهم له صلّى اللّه عليه وسلم مما يطلعهم على نزاهته صلّى اللّه عليه وسلم عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيد للنكير وتشديد له والتعرض لنفى الجنون عنه صلّى اللّه عليه وسلم مع وضوح استحالة ثبوته له صلّى اللّه عليه وسلم لما أن التكلم بما هو خارق لقضية العقول والعادات لا يصدر إلا عمن به مس من الجنون كيفما اتفق من غير أن يكون له أصل ومعنى أو عمن له تأييد إلهي بخبر به عن الأمور الغيبية وإذ ليس به صلّى اللّه عليه وسلم شائبة الأول تعين أنه صلّى اللّه عليه وسلم مؤيد من عند اللّه تعالى وقيل إنه صلّى اللّه عليه وسلم علا الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا يحذرهم بأس اللّه تعالى فقال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت إلى الصباح فنزلت فالتصريح بنفي الجنون حينئذ للرد على عظيمتهم الشنعاء * والتعبير عنه صلّى اللّه عليه وسلم بصاحبهم وارد على شاكلة كلامهم مع ما فيه من النكتة المذكورة وقوله تعالى( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ )جملة مقررة لمضمون ما قبلها ومبينة لحقيقة حاله صلّى اللّه عليه وسلم على منهاج قوله تعالىإِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌبعد قوله تعالىما هذا بَشَراًأي ما هو صلّى اللّه عليه وسلم إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية الإظهار إبراز لكمال الرأفة
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 298 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي