تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 98 إلى 100 ] أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 )
شرح
على وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مدار التوبيخ أمن كل طائفة ما أتاهم من البأس لا أمن مجموع الأمم فإن كل طائفة منهم أصابهم بأس خاص بهم لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه لا لإنكار الوقوع ونفيه كما قاله أبو شامة وغيره لقوله تعالىفَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَوالفاء للعطف على أخذناهم وما بينهما اعتراض توسط بينهما للمسارعة إلى بيان أن الأخذ * المذكور مما كسبته أيديهم والمعنى أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً )أي تبييتا أو وقت بيات أن مبيتا أو مبيتين وهو في الأصل مصدر بمعنى البيتوتة ويجئ بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم( وَهُمْ نائِمُونَ )حال من ضميرهم البارز أو المستتر في بياتا( أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى )إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ والتشديد ولذلك لم يقل أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم * يلعبون وقرئ أو بسكون الواو على الترديد( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى )أي ضحوة النهار وهو في الأصل * ضوء الشمس إذا ارتفعت( وَهُمْ يَلْعَبُونَ )أي يلهون من فرط الغفلة أو يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون( أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ )تكرير للنكير لزيادة التقرير ومكر اللّه تعالى استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب والمراد به إتيان بأسه تعالى في الوقتين المذكورين ولذلك عطف الأول والثالث بالفاء في الإنكار فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ المذكور وأما الثاني فمن تتمة الأول *( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ )أي الذين خسروا أنفسهم وأضاعوا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات( أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها )أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم المهلكة ويرثون ديارهم والمراد بهم أهل مكة ومن حولها وتعدية فعل الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللازم كأنه قيل اغفلوا ولم يفعل الهداية لهم الخ وإما لأنها بمعنى التبيين * والمفعول محذوف والفاعل على التقديرين هو الجملة الشرطية أي أو لم يبين لهم مآل أمرهم( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ )أي أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم أو بسبب ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وقرئ * نهد بنون العظمة فالجملة مفعوله( وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ )عطف على ما يفهم من قوله تعالىأَ وَلَمْ يَهْدِكأنه قيل لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن التفكر والتأمل أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع ولا يجوز عطفه علىأَصَبْناهُمْعلى أنه بمعنى طبعنا لإفضائه إلى نفى الطبع عنهم لأنه في سياق جواب لو( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ )أي أخبار الأمم المهلكة فضلا عن التدبر والنظر فيها والاغتنام بما في تضاعيفها من الهداية