[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )
شرح
عباس رضى اللّه تعالى عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب اللّه تعالى فقالوا كيف تخوفنا به ونحن أبناء اللّه وأحباؤه وقيل إن النصارى يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم إني ذاهب إلى أبى وأبيكم وقيل أرادوا أن اللّه تعالى كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة وبالجملة أنهم كانوا يدعون أن لهم فضلا ومزية عند اللّه تعالى على سائر الخلق فرد عليهم ذلك وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم( قُلْ )إلزاما لهم وتبكيتا( فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ )أي إن صح ما زعمتم * فلأي شئ يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد عرفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع وقوله تعالى( بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ )عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي لستم كذلك بل أنتم بشر( مِمَّنْ خَلَقَ )أي * من جنس من خلقه اللّه تعالى من غير مزية لكم عليهم( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ )أن يغفر له من أولئك المخلوقين * وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ )أن يعذبه منهم وهم الذين كفروا به وبرسله مثلكم *( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما )من الموجودات لا ينتمى إليه سبحانه شئ منها إلا بالمملوكية * والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيهم كيف يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا فأنى لهم ادعاء ما زعموا( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلالا أو اشتراكا فيجازى كلا من * المحسن والمسىء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه( يا أَهْلَ الْكِتابِ )تكرير للخطاب بطريق الالتفات ولطف في الدعوة( قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ )حال من رسولنا وإيثاره على مبينا لما * مر فيما سبق أي يبين لكم الشرائع والأحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد ومن جملتها ما بين في الآيات السابقة من بطلان أقاويلكم الشنعاء وما سيأتي من أخبار الأمم السالفة وإنما حذف تعويلا على ظهور أن مجىء الرسول إنما هو لبيانها أو يفعل لكم البيان ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من أمور الدين وأما تقدير مثل ما سبق في قوله تعالىكَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِكما قيل فمع كونه تكريرا من غير فائدة يرده قوله عزّ وجل( عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ )فإن فتور الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان * الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه وعلى فترة متعلق بجاءكم على الظرفية كما في قوله تعالىوَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَأي جاءكم على حين فتور الإرسال وانقطاع من الوحي ومزيد احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية أو بمحذوف وقع حالا من ضمير يبين أو من ضمير لكم أي يبين لكم ما ذكر حال كونه على فترة من الرسل أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم إلى البيان ومن الرسل متعلق بمحذوف وقع صفة لفترة أي كائنة من الرسل مبتدأة من جهتهم وقوله تعالى( أَنْ تَقُولُوا )تعليل لمجىء الرسول بالبيان على * حذف المضاف أي كراهة أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين( ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا