[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )
شرح
أراد أن يهلك المسيح لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره تعالى وملكوته لا يقدر أحد على دفع ما أريد به فضلا عن دفع ما أريد بغيره وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز وعدم استحقاق الألوهية وتخصيص أمه بالذكر مع اندراجها في ضمن من في الأرض لزيادة تأكيد عجز المسيح ولعل نظمها في سلك من فرض إرادة إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض إهلاكه كأنه قيل قل فمن يملك من اللّه شيئا إن أراد أن يهلك المسيح وأمه ومن في * الأرض وقد أهلك أمه فهل مانعه أحد فكذا حال من عداها من الموجودين وقوله تعالى( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما )أي ما بين قطري العالم الجسماني لا بين وجه الأرض ومقعر فلك القمر فقط فيتناول ما في السماوات من الملائكة عليهم السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة لا لأحد سواه استقلالا ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عن كل * ما سواه وقوله تعالى( يَخْلُقُ ما يَشاءُ )جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح لولادته من غير أب وخلق الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن ما نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أي خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير أصل كخلق السماوات والأرض وأخرى من أصل كخلق ما بينهما فينشئ من أصل ليس من جنسه كخلق آدم وكثير من الحيوانات ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كخلق حواء أو أنثى وحدها كخلق عيسى عليه السلام أو منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شئ من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب أن ينسب كله * إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقوية استقلال الجملة( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبيان لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيان بطلانه أي قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير وقالت النصارى نحن أشياع ابنه المسيح كما قيل لأشياع أبى خبيب وهو عبد اللّه بن الزبير الخبيبيون وكما يقول أقارب الملوك عند المفاخرة نحن الملوك وقال ابن