[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 147 إلى 149 ]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 )
شرح
يخرجوا التوراة كيف وقد بين فيها جميع ما يحذرون أوضح بيان( فَإِنْ كَذَّبُوكَ )قيل الضمير لليهود لأنهم أقرب ذكرا ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك وقيل للمشركين فالمعنى على الأول إن كذبتك * اليهود في الحكم المذكور وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قدم التحريم( فَقُلْ )لهم( رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ )* لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويمهلكم على بعضها( وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ )بالكلية( عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ )فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريم بعض الطيبات عليكم عقوبة وتشديدا وعلى الثاني فإن كذبك المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال وقيل ذو رحمة للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مقامه قوله تعالىوَلا يُرَدُّ بَأْسُهُالخ لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنه لا حق بهم البتة من غير صارف يصرفه عنهم أصلا( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا )حكاية لفن آخر من كفرهم وإخباره قبل وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعهوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍصريح في أنه من عند اللّه( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا )أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء * لما فعلنا الإشراك نحن( وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ )أرادوا به أن ما فعلوه حق مرضى عند اللّه تعالى لا الاعتذار من ارتكاب هذه القبائح بإرادة اللّه تعالى إياها منهم حتى ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزلة ألا * يرى إلى قوله تعالى( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )أي مثل ما كذبك هؤلاء في أنه تعالى منع من الشرك * ولم يحرم ما حرموه كذب متقدموهم الرسل فإنه صريح فيما قلنا وعطف آباؤنا على الضمير للفصل بلا( حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا )الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ )من أمر معلوم يصح الاحتجاج به * على ما زعمتم( فَتُخْرِجُوهُ لَنا )أي فتظهروه لنا( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ )أي ما تتبعون في ذلك إلا الظن * الباطل الذي لا يغنى من الحق شيئا( وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ )تكذبون على اللّه عزّ وجل وليس فيه دلالة على المنع من اتباع الظن على الإطلاق بل فيما يعارضه قطعي( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ )الفاء جواب شرط محذوف أي وإذ قد ظهر أن لا حجة لكم فللّه الحجة البالغة أي البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان وهي من الحجج بمعنى القصد كأنها * تقصد إثبات الحكم وتطلبه( فَلَوْ شاءَ )هدايتكم جميعا( لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ )بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن