تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 124 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 )
شرح
عليه لإفادة التخصيص كما في قوله تعالىكَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُالآية والأولأَكابِرَ مُجْرِمِيهاوالظرف لغو أي ومثل أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزينا لهم أعمالهم مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا * المكر فيها وهذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقوله تعالى( وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ )اعتراض على سبيل * الوعد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والوعيد للكفرة أي وما تحيق غائلة مكرهم إلا بهم( وَما يَشْعُرُونَ )حال من ضميريَمْكُرُونَمع اعتبار ورود الاستثناء على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلا بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم وقوله تعالى( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ )رجوع إلى بيان حال مجرمى أهل مكة بعد ما بين بطريق التسلية أن حال غيرهم أيضا كذلك وأن عاقبة مكر الكل ما ذكر فإن العظيمة المنقولة * إنما صدرت عنهم لا عن سائر المجرمين أي إذا جاءتهم آية بواسطة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم( قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ )قال ابن عباس رضى اللّه عنهما حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل عليه السلام فيخبرنا أن محمدا صادق كما قالوا أو تأتى باللّه والملائكة قبيلا وعن الحسن البصري مثله وهذا كما ترى صريح في أن ما علق بإيتاء ما أوتى الرسل عليهم الصلاة والسلام هو إيمانهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبما أنزل إليه إيمانا حقيقيا كما هو المتبادر منه عند الإطلاق خلا أنه يستدعى أن يحمل ما أوتى رسل اللّه على مطلق الوحي * ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة وأن تصرف الرسالة في قوله تعالى( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ )عن ظاهرها وتحمل على رسالة جبريل عليه السلام بالوجه المذكور ويراد بجعلها تبليغها إلى المرسل إليه لا وضعها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جوابا عن اقتراحهم وردا له بأن يكون معنى الاقتراح لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من عند اللّه تعالى إلى الرسول حتى يأتينا بالذات عيانا كما يأتي الرسول فيخبرنا بذلك ومعنى الرد اللّه أعلم من يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذانا بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف وفيه من التمحل ما لا يخفى وقال مقاتل نزلت في أبى جهل حين قال زاحمنا بنى عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا منا نبي يوحى إليه واللّه لا نرضى به ولا نتبعه أبدا حتى يأتينا وحى كما يأتيه وقال الضحاك سأل كل واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي كما أخبر اللّه تعالى عنهم في قوله بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان مناسبا للرد المذكور لكنه يقتضى أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء ما أوتى الرسل مجرد تصديقهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من غير شمول لكافة الناس وأن تكون كلمة حتى في قول اللعين حتى يأتينا وحى كما يأتيه الخ غاية لعدم الرضا لا لعدم الاتباع فإنه مقرر على تقديرى إيتاء الوحي وعدمه فالمعنى لن نؤمن برسالته أصلا حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل ما أوتى رسل اللّه أو
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 182 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي