تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 90 إلى 91 ] أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 )
شرح
كلا من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المنزلة إليهم عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في شريعتنا وبه يتحقق الخروج عن عهدة التوكيل والتكليف دون المنسوخة منها فإنها بانتساخها خارجة عن كونها من أحكامها وقد مر تحقيقه في تفسير سورة المائدة وقيل هم الأنبياء المذكورون فالمراد بالتوكيل الأمر بما هو أعم من إجراء أحكامها كما هو شأنهم في حق كتابهم ومن اعتقاد حقيتها كما هو شأنهم في حق سائر الكتب التي من جملتها القرآن الكريم وقيل هم الملائكة فالتوكيل هو الأمر بإنزالها وحفظها واعتقاد حقيتها وأيا ما كان فتنكير قوما للتفخيم والباء الأولى صلة لكافرين قدمت عليه محافظة على الفواصل والثانية لتأكيد النفي وأما تقديم صلة وكلنا على مفعوله الصريح فلما ذكر آنفا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول ربما يؤدى تقديمه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم أو إلى الفصل بين الصفة والموصوف وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلا فقد وفقنا للإيمان بها قوما فخاما ليسوا بكافرين بها قطعا بل مستمرون على الإيمان بها والعمل بما فيها ففي إيمانهم بها مندوحة عن إيمان هؤلاء ومن هذا تبين أن الوجه أن يكون المراد بالقوم إحدى الطوائف المذكورة إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه تتحقق الغنية عن إيمان الكفرة به والعمل بأحكامه وأما الأنبياء والملائكة عليهم السلام فإيمانهم به ليس من قبيل إيمان آحاد الأمة كما أشير إليه( أُولئِكَ )إشارة إلى الأنبياء المذكورين وما فيه من معنى البعد * للإيذان بعلو رتبتهم وهو مبتدأ خبره قوله تعالى( الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ )أي إلى الحق والنهج المستقيم والالتفات * إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ )أي فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد بغيرهم والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان باللّه تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هدى والهاء في اقتده للوقف حقها أن تسقط في الدرج واستحسن إثباتها فيه أيضا إجراء * له مجرى الوقف واقتداء بالإمام وقرئ بإشباعها على أيها كناية المصدر( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ )أي على * القرآن أو على التبليغ فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما( أَجْراً )من جهتكم كما لم يسأله * من قبلي من الأنبياء عليهم السلام وهذا من جملة ما أمر صلّى اللّه عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه( إِنْ هُوَ )أي ما القرآن( إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ )أي عظة وتذكير لهم كافة من جهته سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين( وَما