تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 77 إلى 78 ] فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 )
شرح
سبحانه من الأصنام والكواكب وعلى الثاني هو تفصيل لما ذكر من إراءة ملكوت السماوات والأرض وبيان لكيفية استدلاله عليه السلام ووصوله إلى رتبة الإيقان ومعنىجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُستره بظلامه وقوله تعالى( رَأى كَوْكَباً )جواب لما فإن رؤيته إنما تتحقق بزوال نور الشمس عن الحس وهذا صريح في * أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيق أنه كان قريبا من الغروب كما ستعرفه قيل كان ذلك الكوكب هو الزهرة وقيل هو المشترى وقوله تعالى( قالَ هذا رَبِّي )استئناف مبنى على سؤال نشأ من الشرطية السابقة المتفرعة على بيان إراءته عليه السلام ملكوت السماوات والأرض فإن ذلك مما يحمل السامع على استكشاف ما ظهر منه عليه السلام من آثار تلك الإراءة وأحكامها كأنه قيل فما ذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الوضع والفرض هذا ربى مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه على رأى خصمه ثم يكر عليه بالإبطال ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون وقيل قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقته وأول أوان بلوغه وهو مبنى على تفسير الملكوت بآياتهما وعطف قوله تعالىلِيَكُونَعلى ما ذكر من العلة المقدرة وجعل قوله تعالىفَلَمَّا جَنَّالخ تفصيلا لما ذكر من الإراءة وبيانا لكيفية الاستدلال وأنت خبير بأن كل ذلك مما يخل بجزالة النظم الجليل وجلالة منصب الخليل عليه الصلاة والسلام( فَلَمَّا أَفَلَ )أي غرب( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ )أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية قطعا( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً )أي مبتدئا في الطلوع إثر غروب الكوكب( قالَ هذا رَبِّي )على الأسلوب السابق( فَلَمَّا أَفَلَ )كما أفل النجم( قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي )إلى جنابه الذي * هو الحق الذي لا محيد عنه( لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ )فإن شيئا مما رأيته لا يليق بالربوبية وهذا مبالغة * منه عليه السلام في إظهار النصفة ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربى جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريبا منه وأفقه الشرقي مكشوف أولا وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما ينبئ عنه قوله تعالى( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً )أي مبتدئة في الطلوع مما لا يكاد يتصور( قالَ )أي على النهج السابق