تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 65 إلى 66 ] قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 )
شرح
وقوله تعالى( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً )استئناف مسوق لبيان أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك إثر بيان أنه هو المنجى لهم منها وفيه وعيد ضمني بالعذاب لإشراكهم المذكور على طريقة قوله عزّ وجلأَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّإلى قوله تعالىأَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرىالآية وعليكم متعلق بيبعث وتقديمه على مفعوله الصريح للاعتناء به والمسارعة إلى بيان كون المبعوث مما يضرهم ولتهويل * أمر المؤخر وقوله تعالى( مِنْ فَوْقِكُمْ )متعلق به أيضا أو بمحذوف وقع صفة لعذابا أي عذابا كائنا من * جهة الفوق كما فعل بمن فعل من قوم لوط وأصحاب الفيل وأضرابهم( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ )أو من جهة السفل كما فعل بفرعون وقارون وقيل من فوقكم أكابركم ورؤسائكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم * وعبيدكم وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معا كما فعل بقوم نوح( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً )أي يخلطكم فرقا متحزبين على أهواء شتى كل فرقة مشايعة لإمام فينشب بينكم القتال فتختلطوا * في الملاحم كقول الحماسى[ وكتيبة لبستها بكتيبة * حتى إذا التبست نفضت لها يدي ]( وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ )عطف على يبعث وقرئ بنون العظمة على طريقة الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير والبعض الأول الكفار والآخر المؤمنون ففيه وعد ووعيد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال عند قوله تعالىعَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْأعوذ بوجهك وعند قوله تعالىأَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْأعوذ بوجهك وعند قوله تعالىأَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍهذا أهون أو هذا أيسر وعنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال سألت ربى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم * بينهم فمنعني ذلك( انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ )من حال إلى حال( لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ )كي يفقهوا ويقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عماهم عليه من المكابرة والعناد( وَكَذَّبَ بِهِ )أي بالعذاب الموعود أو القرآن * المجيد الناطق بمجيئه( قَوْمُكَ )أي المعاندون منهم ولعل إيرادهم بهذا العنوان للإيذان بكمال سوء حالهم فإن تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه صلّى اللّه عليه وسلم مما يقضى بغاية عتوهم ومكابرتهم وتقديم الجار والمجرور * على الفاعل لما مر مرارا من إظهار الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقوله تعالى( وَهُوَ الْحَقُّ )حال من الضمير المجرور أي كذبوا به والحال أنه الواقع لا محالة أو إنه الكتاب الصادق في كل ما نطق به وقيل * هو استئناف وأيا ما كان ففيه دلالة على عظم جنايتهم ونهاية قبحها( قُلْ )لهم منبها على ما يؤول إليه أمرهم * وعلى أنك قد أديت ما عليك من وظائف الرسالة( لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ )بحفيظ وكل إلى أمركم لا منعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق إنما أنا منذر وقد خرجت عن العهدة حيث أخبرتكم بما سترونه
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 146 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي