تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 97 ] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )
شرح
من شعائر ملته عليه السلام إثر بيان كفرهم بكون كل المطعومات حلاله عليه السلام روى أنهم قالوا بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة وقال المسلمين بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت أي إن أول بيت وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم والواضع هو اللّه تعالى ويؤيده القراءة على البناء للفاعل وقوله تعالى( لَلَّذِي بِبَكَّةَ )خبر لأن وإنما أخبر بالمعرفة مع كون اسمها نكرة لتخصصها بسببين الإضافة والوصف بالجملة بعدها أي للبيت الذي ببكة أي فيها وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى وبكة لغة في مكة فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم ضربة لازب ولازم والنميط والنبيط في اسم موضع بالدهناء وقولهم أمر راتب وراتم وسبد رأسه وسمده وأغبطت الحمى وأغمطت وهي علم للبلد الحرام من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيه وعن قتادة يبك الناس بعضهم بعضا أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه اللّه عزّ وجل وقيل بكة اسم لبطن مكة وقيل لموضع البيت وقيل للمسجد نفسه ومكة اسم للبلد كله وأيد هذا بأن التباك وهو الازدحام إنما يقع عند الطواف وقيل مكة اسم للمسجد والمطاف وبكة اسم للبلد لقوله تعالىلَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاًروى أنه عليه السلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة وقيل أول من بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقيل آدم عليه السلام وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة وقيل أول بيت وضع بالشرف لا بالزمان( مُبارَكاً )كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب وهو حال من المستكن في الظرف لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه ما قدر في الظرف من فعل الاستقرار( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ )لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأن فيه آيات عجيبة دالة على عظيم قدرته تعالى وبالغ حكمته كما قال( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ )واضحات كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ومخالطة ضوارى السباع الصيود في الحرم من غير تعرض لها وقهر اللّه تعالى لكل جبار قصده بسوء كأصحاب الفيل والجملة مفسرة للهدى أو حال أخرى( مَقامُ إِبْراهِيمَ )أي أثر قدميه عليه السلام السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقت رفع الحجارة لبناء الكعبة عند ارتفاعه أو عند غسل رأسه على ما روى أنه عليه السلام جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه وهو إما مبتدأ حذف خبره أي منها مقام إبراهيم أو بدل من آيات بدل البعض من الكل أو عطف بيان إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللّه تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 60 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي