[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 91 إلى 92 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 ) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 )
شرح
عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا ولذلك لم تدخل فيه الفاء( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )الثابتون على الضلال( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ )لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية زيدت الفاء هاهنا للإشعار به وملء الشئ ما يملأ به وذهبا تمييز وقرئ بالرفع على أنه بدل من ملء أو خبر لمحذوف ولو افتدى محمول على المعنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة أو المراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالىوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُوالمثل يحذف ويراد كثيرا لأن المثلين في حكم شئ واحد( أُولئِكَ )إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات الشنيعة المذكورة( لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )مؤلم اسم الإشارة مبتدأ والظرف خبره ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذاب أليم على الفاعلية( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )في دفع العذاب عنهم أو في تخفيفه ومن مزيدة للاستغراق وصيغة الجمع لمراعاة الضمير أي ليس لواحد منهم ناصر واحد( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ )من ناله نيلا إذا أصابه والخطاب للمؤمنين وهو كلام مستأنف سيق لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم إثر بيان ما لا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا بزمرة الأبرار أو لن تنالوا برا للّه تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه وجنته( حَتَّى تُنْفِقُوا )أي في سبيل اللّه عزّ وجل رغبة فيما عنده ومن في قوله تعالى( مِمَّا تُحِبُّونَ )تبعيضية ويؤيده قراءة من قرأ بعض ما تحبون وقيل بيانية وما موصولة أو موصوفة أي مما تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم كما في قوله تعالىأَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْأو مما يعمها وغيرها من الأعمال والمهجة على أن المراد بالإنفاق مطلق البذل وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما لا يخفى وكان السلف رضى اللّه عنهم إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه عزّ وجل وروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال يا رسول اللّه إن أحب أموالي إلى بيرحاء فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه فقال عليه السلام بخ بخ ذاك مال رائح أو رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها في أقاربه وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال هذه في سبيل اللّه فحمل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسامة بن زيد فكأن زيدا وجد في نفسه وقال إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أما إن اللّه تعالى قد قبلها منك .
قيل وفيه دلالة على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل وكتب عمر رضى اللّه عنه إلى أبى موسى الأشعري أن يشترى له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى فلما جاءت إليه أعجبته