[ سورة النساء ( 4 ) : آية 165 ]
رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 )
شرح
قوله تعالىإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَثم يعتبر بينه وبين المذكور مماثلة مصححة للتشبيه على أن تقديره في رسلا الأول يقتضى تقدير نفيه في الثاني وذلك أشد استحالة وأظهر بطلانا( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى )برفع الجلالة ونصب موسى وقرئ على القلب وقول تعالى( تَكْلِيماً )مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز قال الفراء العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام والجملة إما معطوفة على قوله تعالىإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَعطف القصة على القصة لا على آتينا وما عطف عليه وإما حال بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا في نبوة سائر الأنبياء عليهم السلام فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه عليه السلام جملة قادحا في صحة نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور أن نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من جملتها أن بني إسرائيل كانوا في العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللتيا والتي وقد فضل اللّه تعالى نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم صلّى اللّه عليه وسلم تسليما كثيرا( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ )نصب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلا موطئا لما بعده أو على البدلية من رسلا الأول أي مبشرين لأهل الطاعة بالجنة ومنذرين للعصاة بالنار( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ )أي معذرة يعتذرون بها قائلين لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات المصالح وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها كما في قوله عزّ وجلوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَالآية وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها ولذلك قال تعالىوَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًاقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما أحد أغير من اللّه تعالى ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من اللّه تعالى ولذلك مدح نفسه وما أحد أحب إليه العذر من اللّه تعالى ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب فاللام متعلقة بأرسلنا وقيل بقوله تعالىمُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَوحجة اسم كان وللناس خبرها وعلى اللّه متعلق بمحذوف وقع حالا من حجة أي كائنة على اللّه أو هو الخبر وللناس حال على الوجه المذكور ويجوز أن يتعلق كل منهما بما تعلق به الآخر الذي هو الخبر ولا يجوز التعلق بحجة لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقوله تعالى( بَعْدَ الرُّسُلِ )أي بعد إرسالهم وتبليغ الشرائع إلى الأمم على ألسنتهم متعلق بحجة أو بمحذوف وقع صفة لها لأن الظروف يوصف بها الأحداث كما يخبر بها عنها نحو القتال يوم الجمعة( وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً )لا يغالب في أمر من أموره ومن قضيته الامتناع عن الإجابة إلى مسألة المتعنتين( حَكِيماً )في جميع أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل وإنزال الكتب فإن تعدد الرسل والكتب واختلافها في كيفية النزول وتغايرها