تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 143 إلى 144 ] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 )
شرح
آخر من قبائح أعمالهم أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان نقيضه واللّه فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومى الدماء والأموال وأعدلهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار وقد مر التحقيق في صدر سورة البقرة وقيل يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم( وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى )متثاقلين كالمكره على الفعل وقرئ بفتح الكاف وهما جمعا كسلان( يُراؤُنَ النَّاسَ )ليحسبوهم مؤمنين والمراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو للمقابلة فإن المرائي يرى غيره عمله وهو يريه استحسانه والجملة إما استئناف مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل فما ذا يريدون بقيامهم إليها كسالى فقيل يراءون الخ أو حال من ضمير قاموا( وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا )عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكرا قليلا وهو ذكرهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليل أو إلا زمانا قليلا أو لا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون إلا بمرأى من الناس وذلك قليل وقيل لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلا عند التكبير والتسليم( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ )حال من فاعل يراءون أو منصوب على الذم وذلك إشارة إلى الإيمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام أي مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى وقرئ بكسر الذال أي مذبذبين قلوبهم أو رأيهم أو دينهم أو هو بمعنى متذبذبين كما جاء صلصل بمعنى تصلصل وفي مصحف ابن مسعود رضى اللّه عنه متذبذبين وقرئ مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة أي طريقة وأخرى في أخرى( لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ )أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أو لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخرين فمحله النصب على أنه حال من ضمير مذبذبين أو على أنه بدل منه أو بيان وتفسير له( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ )لعدم استعداده للهداية والتوفيق( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا )موصلا إلى الحق والصواب فضلا عن أن تهديه إليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )نهوا عن موالاة الكفرة صريحا وإن كان في بيان حال المنافقين مزجرة عن ذلك مبالغة في الزجر والتحذير( أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً )أي أتريدون بذلك أن تجعلوا للّه عليكم حجة بينة على أنكم منافقون فإن موالاتهم أوضح أدلة النفاق أو سلطانا يسلط عليكم عقابه وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال أتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلا عن صدور نفسه كما في قوله عزّ وجلأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ.
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 246 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي