[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 45 إلى 56 ]
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 46 )
شرح
استبدال السلعة بالثمن أي أخذها بدلا منه أخذا ناشئا عن الرغبة فيها والإعراض عنه للإيذان بكمال رغبتهم في الضلالة التي حقها أن يعرض عنها كل الإعراض وإعراضهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون وفيه من التسجيل على نهاية سخافة عقولهم وغاية ركاكة آرائهم ما لا يخفى حيث صورت حالهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز وليس المراد بالضلالة جنسها الحاصل لهم من قبل حتى يخل بمعنى الاشتراء المنبئ عن تأخرها عنه بل هو فردها الكامل وهو عنادهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا بشأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتيقنوا بحقية دينه وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة ولا ريب في أن هذه الرتبة لم تكن حاصلة لهم قبل ذلك وقد مر في أوائل سورة البقرة( وَيُرِيدُونَ )عطف على يشترون شريك له في بيان محل التشنيع والتعجيب وصيغة المضارع فيهما للدلالة على الاستمرار التجددي فإن تجدد حكم اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره أي لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته عليه السلام( أَنْ تَضِلُّوا )أنتم أيضا أيها المؤمنون( السَّبِيلَ )المستقيم الموصل إلى الحق( وَاللَّهُ أَعْلَمُ )أي منكم( بِأَعْدائِكُمْ )جميعا ومن جملتهم هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم والجملة معترضة لتقرير ارادتهم المذكورة( وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا )في جميع أموركم ومصالحكم( وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً )في كل المواطن فثقوا به واكتفوا بولايته ونصرته ولا تتولوا غيره أو لا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء فإنه تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد ووعيد والباء مزيدة في فاعل كفى لتأكيد الاتصال الإسنادى بالاتصال الإضافى وتكرير الفعل في الجملتين مع إظهار الجلالة في مقام الإضمار لا سيما في الثاني لتقوية استقلالهما المناسب للاعتراض وتأكيد كفايته عزّ وجل في كل من الولاية والنصرة والإشعار بعليتهما فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة( مِنَ الَّذِينَ هادُوا )قيل هو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض الذي حقه العموم والإطلاق وانتظام ما هو المقصود في المقام انتظاما أوليا كما أشير إليه وقيل هو صلة لنصير أي ينصركم من الذين هادوا كما في قوله تعالىفَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِوفيه ما فيه من تحجير واسع نصرته عزّ وجل مع أنه لا داعى إلى وضع الموصول موضع ضمير الأعداء لأن ما في حيز الصلة ليس بوصف ملائم للنصر وقيل هو خبر مبتدأ محذوف وقع قوله تعالى( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ )صفة له أي من الذين هادوا قوم أو فريق يحرفون الخ وفيه أنه يقتضى كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة فالذي يليق بشأن