تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 44 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 )
شرح
معتبر في الكل مما لا يساعده النظم الكريم( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً )فتعمدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا أو غيره وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه وعند الشافعي رحمه اللّه لا بد أن يعلق باليد شئ من التراب( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ )أي إلى المرفقين لما روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه ولأنه بدل من الوضوء فيتقدر بقدره( إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً )تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن من عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسرا لا معسرا وقيل هو كناية عنهما فإن الترفيه والمسامحة من روادف العفو وتوابع الغفران( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ )كلام مستأنف مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين وتوجيهه إليه هاهنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معا للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها والرؤية بصرية أي ألم تنظر إليهم فإنهم أحقاء أن تشاهدهم وتتعجب من أحوالهم وتجويز كونها قلبية على أن إلى لتضمنها معنى الانتهاء لما فعلوه يأباه مقام تشهير شنائعهم ونظمها في سلك الأمور المشاهدة والمراد بهم أحبار اليهود . روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنها نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي ورهطه يثبطانهم عن الإسلام وعنه رضى اللّه عنه أيضا أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه والمراد بالكتاب هو التوراة وحمله على جنس الكتاب المنتظم لها انتظاما أوليا تطويل للمسافة وبالذي أوتوه ما بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وحقية الإسلام والتعبير عنه بالنصيب المنبئ عن كونه حقا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا وتنوينه تفخيمى مؤيد للتشنيع عليهم والتعجيب من حالهم فالتعبير عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم والإشعار بمكان ما طوى ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد العوضين وكلمة من متعلقة إما بأوتوا أو بمحذوف وقع صفة لنصيبا مبينة لفخامته الإضافية إثر بيان فخامته الذاتية أي نصيبا كائنا من الكتاب وقوله تعالى( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ )قيل هو حال مقدرة من واو أوتوا ولا ريب في أن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام وقيل هو حال من الموصول أي ألم تنظر إليهم حال اشترائهم وأنت خبير بأنه خال عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور وما عطف عليه والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أنه استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام على وجه الإجمال والإبهام مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل ما ذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية وإنما طوى المتروك لغاية ظهور الأمر لا سيما بعد الإشعار المذكور والتعبير عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارة عن