تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وكذلك قابله بقوله :
وَيَحِقَّ الْقَوْلُ
: أي كلمة العذاب ،
عَلَى الْكافِرِينَ
المحتوم لهم بالموافاة على الكفر .
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ، وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ، وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ، فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ، أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ، أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
. الإخبار وتنبيه الاستفهام لقريش ، وإعراضها عن عبادة اللّه ، وعكوفها على عبادة الأصنام . ولما كانت الأشياء المصنوعة لا يباشرها البشر إلا باليد ، عبر لهم بما يقرب من أفهامهم بقوله :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
: أي مما تولينا عمله ، ولا يمكن لغيرنا أن يعمله . فبقدرتنا وإرادتنا برزت هذه الأشياء ، لم يشركنا فيها أحد ، والباري تعالى منزه عن اليد التي هي الجارحة ، وعن كل ما اقتضى التشبيه بالمحدثات . وذكر الأنعام لها لأنها كانت جل أموالهم ، ونبه على ما يجعل لهم من منافعها .
لَها مالِكُونَ
: أي ملكناها إياهم ، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك ، مختصون بالانتفاع بها ، أو
مالِكُونَ
: ضابطون لها قاهرونها ، من قوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
أي : لا أضبطه ، وهو من جملة النعم الظاهرة . فلولا تذليله تعالى إياها وتسخيره ، لم يقدر عليها . ألا ترى إلى ما ندّ منها لا يكاد يقدر على رده ؟ لذلك أمر بتسبيح اللّه راكبها ، وشكره على هذه النعمة بقوله :
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
« 1 » . وقرأ الجمهور :
رَكُوبُهُمْ
، وهو فعول بمعنى مفعول ، كالحضور والحلوب والقدوع ، وهو مما لا ينقاس . وقرأ أبي ، وعائشة : ركوبتهم بالتاء ، وهي فعولة بمعنى مفعولة . وقال
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 13 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 82 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل