تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
أثر فيه ،
وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
: أي من نفسه لا مني ، فهو الذي استحب العمى على الهدى ، كقوله :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
« 1 » ، وكذب القرين ، قد أطغاه بوسوسته وتزيينه .
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ
: استئناف أيضا مثل قال قرينه ، كأن قائلا قال : ما قال اللّه تعالى ؟ فقيل :
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ
أي في دار الجزاء وموقف الحساب .
وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
لمن عصاني ، فلم أترك لكم حجة .
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
: أي عندي ، فما أمضيته لا يمكن تبديله . وقال الفراء : ما يكذب لدي لعلمي بجميع الأمور . وقدمت : يجوز أن يكون بمعنى تقدمت ، أي قد تقدم قولي لكم ملتبسا بالوعيد ، أو يكون قدم المتعدية ، وبالوعيد هو المفعول ، والباء زائدة ، والتقديم كان في الدنيا ، ونهيهم عن الاختصام في الآخرة ، فاختلف الزمانان . فلا تكون الجملة من قوله :
وَقَدْ قَدَّمْتُ
حالا إلا على تأويل ، أي وقد صح عندكم أني قدمت ، وصحة ذلك في الآخرة ، فاتفق زمان النهي عن الاختصام ، وصحة التقديم بالحال على هذا التأويل مقارنة .
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
: تقدم شرح مثله في أواخر آل عمران ، والمعنى : لا أعذب من لا يستحق العذاب . وقرأ يوم يقول ، بياء الغيبة الأعرج ، وشيبة ، ونافع ، وأبو بكر ، والحسن ، وأبو رجاء ، وأبو جعفر ، والأعمش ، وباقي السبعة : بالنون ؛ وعبد اللّه ، والحسن ، والأعمش أيضا : يقال مبنيا للمفعول وانتصاب يوم بظلام ، أو بأذكر ، أو بأنذر كذلك . قال الزمخشري : ويجوز أن ينتصب بنفخ ، كأنه قيل : ونفخ في الصور يوم نقول ، وعلى هذا يشار بذلك إلى يوم يقول . انتهى ، وهذا بعيد جدا ، قد فصل على هذا القول بين العامل والمعمول بجمل كثيرة ، فلا يناسب هذا القول فصاحة القرآن وبلاغته . و
هَلِ امْتَلَأْتِ
: تقرير وتوقيف ، لا سؤال استفهام حقيقة ، لأنه تعالى عالم بأحوال جهنم . قيل : وهذا السؤال والجواب منها حقيقة . وقيل : هو على حذف مضاف ، أي نقول لخزنة جهنم ، قاله الرماني : وقيل : السؤال والجواب من باب التصوير الذي يثبت المعنى ، أي حالها حال من لو نطق بالجواب لسائله لقال كذا ، وهذا القول يظهر أنها إذ ذاك لم تكن ملأى . فقولها :
مِنْ مَزِيدٍ
، سؤال ورغبة في الزيادة والاستكثار من الداخلين فيها . وقال الحسن ، وعمرو ، وواصل :
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 22 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 538 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل