وقيل : من اليهود والنصارى ، وهذه الأحقية هي في الدنيا . وقيل : أحق بها في علم اللّه تعالى . وقيل :
وَأَهْلَها
في الآخرة بالثواب . وقيل : الضمير في وكانوا عائد على كفار مكة لأنهم أهل حرم اللّه ، ومنهم رسوله لولا ما سلبوا من التوفيق .
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
، إشارة إلى علمه تعالى بالمؤمنين ورفع الكفار عنهم ، وإلى علمه بصلح الكفار في الحديبية ، إذ كان سببا لامتزاج العرب وإسلام كثير منهم ، وعلو كلمة الإسلام ؛ وكانوا عام الحديبية ألفا وأربعمائة ، وبعده بعامين ساروا إلى مكة بعشرة آلاف .
وقال أبو عبد اللّه الرازي : في هذه الآية لطائف معنوية ، وهو أنه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن . باين بين الفاعلين ، إذ فاعل جعل هو الكفار ، وفاعل أنزل هو اللّه تعالى ؛ وبين المفعولين ، إذ تلك حمية ، وهذه سكينة ؛ وبين الإضافتين ، أضاف الحمية إلى الجاهلية ، وأضاف السكينة إلى اللّه تعالى . وبين الفعل جعل وأنزل ؛ فالحمية مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى ، والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها .
والحمية قبيحة مذمومة في نفسها وازدادت قبحا بالإضافة إلى الجاهلية ، والسكينة حسنة في نفسها وازدادت حسنا بإضافتها إلى اللّه تعالى . والعطف في فأنزل بالفاء لا بالواو يدل على المقابلة ، تقول : أكرمني فأكرمته ، فدلت على المجازاة للمقابلة ، ولذلك جعل فأنزل . ولما كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو الذي أجاب أولا إلى الصلح ، وكان المؤمنون عازمين على القتال ، وأن لا يرجعوا إلى أهلهم إلا بعد فتح مكة أو النحر في المنحر ، وأبوا إلا أن يكتبوا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وباسم اللّه ، قال تعالى :
عَلى رَسُولِهِ
. ولما سكن هو صلى اللّه عليه وسلم للصلح ، سكن المؤمنون ، فقال :
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
. ولما كان المؤمنون عند اللّه تعالى ، ألزموا تلك الكلمة ، قال تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 1 » ، وفيه تلخيص ، وهو كلام حسن .
قوله عزّ وجل :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 49 / 13 .