تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
: أي بل يقولون افتراه ، أي بل أيقولون اختلقه ؟ انتقلوا من قولهم :
هذا سِحْرٌ
إلى هذه المقالة الأخرى . والضمير في افتراه عائد إلى الحق ، والمراد به الآيات .
قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ
، على سبيل الفرض ، فاللّه حسبي في ذلك ، وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه ، ولا يمهلني ؛
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
رد عقوبة اللّه بي شيئا . فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه ؟ يقال : فلان لا يملك إذا غضب ، ولا يملك عنانه إذا صم ؛ ومثله :
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
« 1 » ؟
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
« 2 » . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا أملك لكم من اللّه شيئا » . ثم استسلم إلى اللّه واستنصر به فقال :
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
: أي تندفعون فيه من الباطل ، ومراده الحق ، وتسميته تارة سحرا وتارة فرية . والضمير في فيه يحتمل أن يعود على ما ، أو على القرآن ، وبه في موضع الفاعل يكفي على أصح الأقوال .
شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
: شهيد إليّ بالتبليغ والدعاء إليه ، وشهيد عليكم بالتكذيب .
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
: عدة لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر ، وإشعار بحلمه تعالى عليهم ، إذ لم يعاجلهم بالعقاب ، إذ كان ما تقدم تهديدا لهم في أن يعاجلهم على كفرهم .
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
: أي جاء قبلي غيري ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والبدع والبديع : من الأشياء ما لم ير مثله ، ومنه قول عدي بن زيد ، أنشده قطرب :
فما أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا عرت من بعد بؤسي فأسعد
والبدع والبديع : كالخف والخفيف ، والبدعة : ما اخترع مما لم يكن موجودا ، وأبدع الشاعر : جاء بالبديع ، وشيء بدع ، بالكسر : أي مبتدع ، وفلان بدع في هذا الأمر : أي بديع ، وقوم إبداع ، عن الأخفش . وقرأ عكرمة ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة : بفتح الدال ، جمع بدعة ، وهو على حذف مضاف ، أي ذا بدع . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون صفة على فعل ، كقولهم : دين قيم ولحم زيم . انتهى . وهذا الذي أجازه ، إن لم ينقل استعماله عن العرب ، لم نجزه ، لأن فعل في الصفات لم يحفظ منه سيبويه إلا عدى . قال سيبويه : ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع ، وهو قوم عدى ، وقد استدرك ، واستدراكه صحيح . وأما قيم ، فأصله قيام وقيم ، مقصور منه ، ولذلك اعتلت الواو فيه ، إذ لو لم يكن مقصورا لصحت ، كما صحت في حول وعوض . وأما قول العرب : مكان
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 17 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 41 .