تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
عرف . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى : ثم ، في قوله :
ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً
؟ قلت : كمعناه في قول القائل : يرى غمرات الموت ثم يزورها وذلك بأن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار منها ، وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها ، فأمر مستبعد . فمعنى ثم : الإيذان بأن فعل المقدم عليها ، بعد ما رآها وعاينها ، شيء يستبعد في العادة والطباع ، وكذلك آيات اللّه الواضحة القاطعة بالحق ، من تليت عليه وسمعها ، كان مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها .
اتَّخَذَها هُزُواً
، ولم يقل : اتخذه ، إشعارا بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه . وقال الزمخشري : ويحتمل
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً
، يمكن أن يتشبث به المعاند ويجعله محملا يتسلق به على الطعن والغميزة ، افترصه واتخذ آيات اللّه هزوا ، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله عزّ وجل :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
« 1 » ، ومغالطته رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقوله : خصمتك ؛ ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء ، لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية :
نفسي بشيء من الدنيا معلقة * اللّه والقائم المهدي يكفيها
حيث أراد عتبة . انتهى . وعتبة جارية كان أبو العتاهية يهواها وينتسب بها . والإشارة بأولئك إلى كل أفاك ، لشموله الأفاكين . حمل أولا على لفظ كل ، وأفرد على المعنى فجمع ، كقوله :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *
« 2 » .
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ
: أي من قدامهم ، والوراء : ما توارى من خلف وأمام .
وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً
من الأموال في متاجرهم ،
وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
من الأوثان .
هذا
، أي القرّاء ،
هُدىً
، أي بالغ في الهداية ، كقولك : هذا رجل ، أي كامل في الرجولية . وقرأ طلحة ، وابن محيصن ، وأهل مكة ، وابن كثير ، وحفص :
أَلِيمٌ
، بالرفع نعتا لعذاب ؛ والحسن ، وأبو جعفر ، وشيبة ، وعيسى ، والأعمش ، وباقي السبعة : بالجر نعتا لرجز .
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ
الآية : آية اعتبار في تسخير هذا المخلوق العظيم ، والسفن الجارية فيه بهذا المخلوق الحقير ، وهو الإنسان .
بِأَمْرِهِ
: أي بقدرته . أناب الأمر مناب
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 98 . ( 2 ) سورة المؤمنون : 23 / 53 . .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 416 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل