تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
الرفع للواو ليس بصحيح ، لأن الصحيح من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل ؛ ومن منع العطف على مذهب الأخفش ، أضمر حرف الجر فقدر . وفي اختلاف ، فالعمل للحرف مضمرا ، ونابت الواو مناب عامل واحد ؛ ويدل على أن في مقدرة قراءة عبد اللّه : وفي اختلاف ، مصرحا وحسن حذف في تقدمها في قوله :
وَفِي خَلْقِكُمْ
؛ وخرج أيضا النصب في آيات على التوكيد لآيات المتقدمة ، ولإضمار حرف في وقرئ واختلاف بالرفع على خبر مبتدأ محذوف ، أي هي آيات ولإضمار حرف أيضا . وقرأ : واختلاف الليل والنهار آية بالرفع في اختلاف ، وفي آية موحدة ؛ وكذلك
وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ
. وقرأ زيد بن علي ، وطلحة ، وعيسى :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
. وقال الزمخشري : والمعنى أن المنصفين من العباد ، إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح ، علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بد لها من صانع ، فآمنوا باللّه وأقروا . فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة ، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ، ازدادوا إيمانا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس . فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت ، كاختلاف الليل والنهار ، ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بها بعد موتها ، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا ، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم . وقال أبو عبد اللّه الرازي : ذكر في البقرة ثمانية دلائل ، وهنا ستة ؛ لم يذكر الفلك والسحاب ، والسبب في ذلك أن مدار الحركة للفلك والسحاب على الرياح المختلفة ، فذكر الرياح ؛ وهناك جعل مقطع الثمانية واحدا ، وهنا رتبها على مقاطع ثلاثة : يؤمنون ، يوقنون ، يعقلون . قال : وأظن سبب هذا الترتيب :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *
« 1 » ، فافهموا هذه الدلائل ؛ فإن لم تكونوا مؤمنين ولا موقنين ، فلا أقل أن تكونوا من العاقلين ، فاجتهدوا . وقال هناك :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ *
« 2 » ، وهنا :
فِي السَّماواتِ
، فدل على أن الخلق غير المخلوق ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، ولا تفارق بين أن يقال : في السماوات ، وفي خلق السماوات . انتهى ، وفيه تلخيص وتقديم وتأخير .
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ
: أي تلك الآيات ، وهي الدلائل المذكورة ؛
نَتْلُوها
: أي نسردها عليك ملتبسة بالحق ، ونتلوها في موضع الحال ، أي متلوة . قال الزمخشري : والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة ونحوه ، وهذا بعلي شيخا . انتهى ، وليس نحوه ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 91 ، وفي وغيرها من الآيات . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 164 ، وفي غيرها من الآيات .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 414 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل