تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي
فهذا التأسي قد كفاها مئونة قتل النفس ، فنفي اللّه عنهم الانتفاع بالتأسي ؛ وفي ذلك تعذيب لهم ويأس من كل خير ؛ وهذا لا يكون إلا على تقدير أن يكون الفاعل ينفعكم أنكم ومعمولاها ، أي ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب إن لن يخفف عنكم اشتراككم في العذاب . وإذا كان الفاعل غير أن ، وهو ضمير ، يعود على ما يفهم من الكلام قبله ، أي يتمنى مباعدة القرين والتبرؤ منه ، ويكون أنكم تعليلا ، أي لاشتراككم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه ، وهو الكفر . وقال مقاتل المعنى : ولن ينفعكم اليوم الاعتذار والندم ، لأنكم وقرناءكم مشتركون في العذاب ، كما اشتركتم في الكفران في الدنيا . وعلى كون الفاعل غير أن ، وهي قراءة الجمهور ، لا يتضمن الكلام نفي التأسي . وقرئ : إنكم بالكسر ، فدل على إضمار الفاعل ، ويقويه حمل أنكم بالفتح على التعليل . واليوم وإذ ظرفان ، فاليوم ظرف حال ، وإذ ظرف ماض . أما ظرف الحال فقد يعمل فيه المستقبل لقربه منه ، أو لتجوز في المستقبل ، كقوله :
فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ
« 1 » ، وقول الشاعر : سأشقى الآن إذ بلغت مناها وأما إذ فماض لا يعمل فيه المستقبل ، فقال الزمخشري : وإذ بدل من اليوم . انتهى . وحمل إذ ظلمتم على معنى إذ تبين ووضح ظلمكم ، ولم يبق لأحد ولا لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ، ونظيره : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي تبين أني ولد كريمة . انتهى . ولا يجوز فيه البدل على بقاء إذ على موضوعها من كونها ظرفا لما مضى من الزمان . فإن جعلت لمطلق الوقت جاز ، وتخريجها على البدل ، أخذه الزمخشري من ابن جني . قال في مساءلته أبا علي : راجعته فيها مرارا ، وآخر ما حصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان ، وهما سواء في حكم اللّه وعلمه ، فيكون إذ بدلا من اليوم ، حتى كأنها مستقبلة ، أو كأن اليوم ماض . وقيل : التقدير بعد إذ ظلمتم ، فحذف المضاف للعلم به . وقيل : إذ للتعليل حرفا بمعنى إن . وقال الحوفي : اليوم ظرف متعلق بينفعكم ، ولا يجوز تعلق إذ به ، لأنهما ظرفا زمان ، يعني متغايرين في المعنى تغايرا
هامش
( 1 ) سورة الجن : 72 / 9 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 375 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل