تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وقيل : الذكر : الدعاء إلى اللّه والتخويف من عقابه . قال الزمخشري : والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكارا ؟ لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب وخلقه قرآنا عربيا لتعقلوه وتعملوا بموجبه . انتهى . وتقدم الكلام معه في تقديره فعلا بين الهمزة والفاء في نحو :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا *
« 1 » ؟
أَ فَلا تَعْقِلُونَ *
« 2 » ؟ وبينها وبين الواو في نحو :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا *
« 3 » ؟ كما وأن المذهب الصحيح قول سيبويه والنحويين : أن الفاء والواو منوي بهما التقديم لعطف ما بعدهما على ما قبلهما ، وأن الهمزة تقدمت لكون الاستفهام له صدر الكلام ، ولا خلاف بين الهمزة والحرف ، وقد رددنا عليه قوله : وقال ابن عباس ومجاهد : المعنى : أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم عفوا عن إجرامكم ؟ أن كنتم أو من أجل أن كنتم قوما مسرفين ؟ أي هذا لا يصلح . ونحا قتادة إلى أن المعنى صفحا ، أي معفوا عنه ، أي نتركه . ثم لا تؤاخذون بقوله ولا بتدبره ، ولا تنبهون عليه . وهذا المعنى نظير قول الشاعر :
ثم الصبا صفحا بساكن ذي الغضى * وبصدع قلبي أن يهب هبوبها
وقول كثير :
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة * فمن مل منها ذلك الوصل ملت
وقال ابن عباس : المعنى : أفحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به ؟ وقال الكلبي : أن نترككم هملا بلا أمر ولا نهي ؟ وقال مجاهد أيضا : أن لا نعاقبكم بالتكذيب ؟ وقيل : أن نترك الإنزال للقرآن من أجل تكذيبكم ؟ وقرأ حسان بن عبد الرحمن الضبغي ، والسميط بن عمير ، وشميل بن عذرة : بضم الصاد ، والجمهور : بفتحها ، وهما لغتان ، كالسد والسد . وانتصاب صفحا على أنه مصدر من معنى أفنضرب ، لأن معناه : أفنصفح ؟ أو مصدر في موضع الحال ، أي صافحين ، قالهما الحوفي ، وتبعه أبو البقاء . وقال الزمخشري : وصفحا على وجهين : إما مصدر من صفح عنه ، إذا أعرض منتصبا على أنه مفعول له على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم ؟ وإما بمعنى الجانب من قولهم : نظر إليه بصفح وجهه . وصفح وجهه على معنى : أفننحيه عنكم جانبا ؟ فينصب على الظرف ، كما تقول : ضعه جانبا ، وامش جانبا . وتعضده قراءة من قرأ صفحا بالضم . وفي هذه القراءة وجه آخر ، وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح ،
هامش
( 1 ) سورة غافر 40 / 82 . ( 2 ) سورة الصافات : 37 / 138 . ( 3 ) سورة الروم : 30 / 9 .