تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي
: أي بسعيي واجتهادي ، ولا يراها أنها من اللّه ، أو هذا لي لا يزول عني .
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
: أي ظننا أننا لا نبعث ، وأن ما جاءت به الرسل من ذلك ليس بواقع ، كما قال تعالى حكاية عنهم :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
« 1 » .
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي
: ولئن كان كما أخبرت الرسل ،
إِنَّ لِي عِنْدَهُ
: أي عند اللّه ،
لَلْحُسْنى
: أي الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة ، كما أنعم عليّ في الدنيا ، وأكدوا ذلك باليمين وبتقديم لي عنده على اسم إن ، وتدخل لام التأكيد عليه أيضا ، وبصيغة الحسنى يؤنث الأحسن الذي هو أفعل التفضيل . ولم يقولوا للحسنة ، أي الحالة الحسنة . وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنهم : للكافر أمنيتان ، أما في الدنيا فهذه
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
، وأما في الآخرة ف
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
.
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا
من الأفعال السيئة ، وذلك كناية عن جزائهم بأعمالهم السيئة .
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
في مقابلة
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
. وكنى بغليظ : العذاب عن شدته .
وَإِذا أَنْعَمْنا
: تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في
سُبْحانَ *
« 2 » ، إلا أن في أواخر تلك كان يئوسا ، وآخر هذه
فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
: أي فهو ذو دعاء بإزالة الشر عنه وكشف ضره . والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة . يقال : أطال فلان في الظلم ، وأعرض في الدعاء إذا كثر ، أي فذو تضرع واستغاثة . وذكر تعالى في هذه الآية نوعا من طغيان الإنسان ، إذا أصابه اللّه بنعمة أبطرته النعمة ، وإذا مسه الشر ابتهل إلى اللّه وتضرع .
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ
: أي القرآن ،
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
: أبرزه في صورة الاحتمال ، وهو من عند اللّه بلا شك ، ولكنه تنزل معهم في الخطاب . والضمير في
أَ رَأَيْتُمْ
لكفار قريش . وتقدم أن معنى أرأيتم : أخبروني عن حالكم إن كان هذا القرآن من عند اللّه ، وكفرتم به وشاققتم في اتباعه . من أضل منكم ، إذ أنتم المشاقون فيه والمعرضون عنه والمستهزءون بآيات اللّه . وتقدم أن أرأيتم هذه تتعدى إلى مفعول مذكور ، أو محذوف ، وإلى ثان الغالب فيه أن يكون جملة استفهامية . فالمفعول الأول محذوف تقديره : أرأيتم أنفسكم ، والثاني هو جملة الاستفهام ، إذ معناه : من أضل منكم أيها الكفار ، إذ مآلكم إلى الهلاك في الدنيا والآخرة .
هامش
( 1 ) سورة الجاثية : 45 / 32 . ( 2 ) سورة الصافات : 37 / 180 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 316 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل