تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
بالعربي المرسل إليهم وهم أمة العرب ؟ قلت : هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابا عجميا كتب إلى قوم من العرب يقول : أكتاب عجمي والمكتوب إليه عربي ؟ وذلك لأن نسخ الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه ، لا على أن المكتوب إليه واحد وجماعة ؛ فوجب أن يجرد لما سيق له من الغرض ، ولا يوصل به ما يخل غرضا آخر . ألا تراك تقول : وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيره ، اللباس طويل واللابس قصير ؟ ولو قلت : واللابسة قصيرة ، جئت بما هو لكنة وفضول قول ، لأن الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته ، إنما وقع في غرض وراءهما . انتهى ، وهو حسن ، إلا أن فيه تكثيرا على عادته في حب الشقشقة والتفهيق .
قُلْ هُوَ
: أي القرآن ،
لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ
، هدى : أي إرشاد إلى الحق ، وشفاء : أي لما في الصدور من الظن والشك . والظاهر أن
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
مبتدأ ، و
فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ
هو موضع الخبر . وقال الزمخشري : هو في آذانهم وقر على حذف المبتدأ لما أخبر أنه هدى وشفاء للمؤمنين ، أخبر أنه وقر وصمم في آذانهم ، أي الكافرين ، ولا يضطر إلى إضمار هو ، فالكلام تام دونه أخبر أن في آذانهم صمما عن سماعهم . ثم أخبر أنه عليهم عمى ، يمنعهم من إبصار حكمته والنظر في معانيه والتقرير لآياته ، وجاء بلفظ عليهم الدالة على استيلاء العمى عليهم ، وجاء في حق المؤمنين باللام الدالة على الاختصاص ، وكون والذين في موضع جر عطفا على قوله :
لِلَّذِينَ آمَنُوا
، والتقدير : وللذين لا يؤمنون وقر في آذانهم إعراب متكلف ، وهو من العطف على عاملين ، وفيه مذاهب كثيرة في النحو ، والمشهور منع ذلك . وقرأ الجمهور : عمى بفتح الميم منونا : مصدر عمى . وقرأ ابن عمرو ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وابن هرمز : بكسر الميم وتنوينه . وقال يعقوب القارئ ، وأبو حاتم : لا ندري نونوا أم فتحوا الياء ، على أنه فعل ماض وبغير تنوين ، رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتيبة عن ابن عباس . والظاهر أن الضمير في
وَهُوَ عَلَيْهِمْ
عائد على القرآن ، وقيل : يعود على الوقر .
أُولئِكَ
إشارة إلى الذين لا يؤمنون ، ومن جعله خبرا ، لأن الذين كفروا كانت الإشارة إليهم .
يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
، قيل : هو حقيقة . قال الضحاك : ينادون بكفرهم وقبح أعمالهم بأقبح أسمائهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف فتعظم السمعة عليهم ويحل المصاب . وقال علي ومجاهد : استعارة لقلة فهمهم ، شبههم بالرجل ينادي من بعد ، فيسمع الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه . وحكى أهل